"سيدي عمر".. حكاية فخر وعزيمة لم تنل منها 37 عامًا من الأسر

37 عامًا أي أكثر من نصف عمره، قضاها النائب المقدسي القيادي الشيخ الأسير محمد أبو طير في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ولم تزده سنوات الاعتقال الطويلة وزنازين السجان إلا صمودًا وثباتًا وعزيمة، ولا يزال الاحتلال يلاحقه بالاعتقال فيما تبقى من حياته.

"سيدي عمر" هو لقب الأسير النائب المقدسي محمد محمود حسن أبو طير (71 عاما) في سجون الاحتلال، وهو عنوان الكتاب الذي ألفه داخلها، حيث عاش بين الأسرى أكثر مما عاشه بين عائلته، التي تشتت بفعل الاحتلال.

غياب عن العائلة

نجل القيادي أبو طير البكر "مصعب" الذي يبلغ من العمر (35 عاما)، لا يذكر أن والده عاش معهم بمنزلهم بأم طوبا ببلدة صور باهر بالقدس المحتلة سوى خمس سنوات.

وقال: "رغم أن عمري أصبح فوق الثلاثين، إلا أني لم أشعر بمعنى الأبوة، فمنذ أن تفتحت عيناي على والدي وهو يقبع داخل سجون الاحتلال"، وأضاف: "حتى أختي الكبيرة فلسطين التي يبلغ عمرها 46 عامًا، لم تعش معنى الأبوة أيضًا، فقد أفرج عن والدي وهي في ريعان شبابها".

وتابع: "كنا صغارا وكبرنا ولا زلنا نشعر بنفس الحرمان والحاجة لوالدنا، فعانيت جدا وشقيقي وشقيقاتي طوال السنوات الماضية من الفراغ الذي تركه والدي بحياتنا، ولا زلنا نعاني من عدم وجوده بيننا بسبب الاحتلال".

وأوضح مصعب أن والده لم يشارك العائلة أفراحها وأتراحها ولا المناسبات الدينية أو الأعياد، إذ توفت والدته هاجر وجده وشقيقته وخاله، دون أن يلقي نظرة الوداع الأخيرة عليهم أو يشارك بتشييع جثامينهم.

وبين بقوله: "تزوجت 4 شقيقات لي خلال اعتقاله، وبالصدفة شارك في حفل زفاف ابنته الخامسة، وأجلت زفافي عدة مرات ليشاركني فرحتي، إلا أن محاولاتي باءت بالفشل".

وأردف: "تزوجت في عام 2011 بعد عدم الإفراج عنه ضمن صفقة شاليط، حينها شعرت بغصة كبيرة وضيق لعدم وجوده بيننا، وفق ما تمنيت".

حرمان الطفولة

وعن طفولته، قال مصعب "عندما كنت طفلا شعرت باليتم لعدم وجود والدي بيننا، فجميع الأطفال يعيشون مع والدهم إلا أنا وأخوتي".

وأضاف: "لا زلت أذكر موقفا في صغري عندما كان عمري 12 عاما، لا يغيب من ذاكرتي أبدًا، حين اقتحم جنود الاحتلال المنزل بينما كنا نائمين".

ووصف "وضع الجنود القيود بيدي والدي، ولكنه أصر على عناقي قبل مغادرة المنزل، حينها عانقني بشدة فشعرت بألم كبير وحسرة".

معاناة الإبعاد والاعتقال الإداري

وأشار مصعب إلى تألمه بشدة لاعتقال والده الأخير لكبر سنه (71 عامًا)، ومعاناته من آلام بساقه، بعد إجراء عملية جراحية قبل نحو شهر من اعتقاله، ولكنه اطمأن عليه قبل عدة أيام، بعد أن تمكنت شقيقاته من زيارته في سجن "عوفر".

واعتقل الشيخ أبو طير أول مرة في عام 1974، وأفرج عنه في صفقة أحمد جبريل عام 1985، ثم توالت الاعتقالات دون حصر.

وكانت قوات الاحتلال اعتقلت الشيخ محمد أبو طير، قبل نحو أسبوعين من دار صلاح بالتعامرة بالقرب من بيت ساحور، وحولته للاعتقال الإداري لمدة 6 أشهر.

ولفت مصعب إلى أن والده لم يكمل 3 أشهر خارج السجن، ورغم ذلك أعاد الاحتلال اعتقاله ليزج به ضمن الاعتقال الإداري التعسفي، دون أي تهمة، منوهًا أنه قضى نحو 8 سنوات في الاعتقال الإداري منذ عام 2006 حتى يومنا الحالي.

ولم تقتصر معاناة الشيخ محمد أبو طير على الاعتقال في سجون الاحتلال، بل استهدفه الاحتلال بالإبعاد عن مدينة القدس وسحب هويته، عقب انتخابه عضوا في المجلس التشريعي عن حركة حماس عام 2006.

وأضاف مصعب: "عشنا معاناة صعبة جدا عند إبعاد الاحتلال والدي إلى مدينة رام الله، والفرق واضح عند العيش بين عائلته في أم طوبا مسقط رأسه، والإبعاد عنها إلى مدينة رام الله، والمرور عبر الحواجز المذلة والبعيدة عن المدينة".

فخر بـ"سيدي عمر"

ورغم المعاناة التي عاشها مصعب وشقيقاته وأخوه محمود، بسبب اعتقال والدهم، عبر عن فخره بقوله: "رغم قساوة السجن ومعاناتنا، إلا أنني أفتخر بوالدي وصموده وثباته طوال سنوات الاعتقال".

وأضاف: "نقدر نضال والدي وندعمه، فالطريق التي اختارها والدي في سبيل الله والوطن، وندعو له بالصمود والثبات"، مشيرًا إلى أن "السجن صعب على الإنسان، لكن الوالد تعود على الاعتقال لأن هجرته لله وحده، ولا يهمه سوى مرضاة الله سبحانه وتعالى".

وتابع: "والدي قدوتنا ونفتخر به، فرغم غياب جسده إلا أنه يعني لي الكثير، حيث تعلمت منه الصبر والصمود والرجولة، وقوة الإيمان والثبات".

ولفت إلى أن والده لديه خصال كثيرة يحتذى بها، منها القوة والثبات والصبر والشجاعة، وعلاقته القوية بالله، مؤكدًا أن "الاحتلال عدو مغتصب أمعن في استهدافه".

وأشار إلى أن والده ألف كتابا داخل سجون الاحتلال، بعنوان "سيدي عمر" اللقب الذي حمله معه طوال سنوات اعتقاله، يتحدث فيه عن حياته التي عاشها بالأسر، وهناك جزء ثانٍ في طريقه للنشر.



عاجل

  • {{ n.title }}