كيف أحيت معركة غزّة آمال التحرير؟!

بات الحديث عن تحرير فلسطين، أثناء معركة غزّة، شائعا بين الفلسطينيين والعرب، المهتمين بإبراز آرائهم في مواقع التواصل الاجتماعية. لا أحد منهم بالتأكيد يعتقد أنّ هذه المواجهة ستكون معركة التحرير، ولا أحد، في الغالب، يعتقد أنّها مقدّمة لمعركة تحرير قريبة للغاية، لكنهم رأوا فيها نموذجا لمعركة تحرير حقيقية.

تأتي أهمية المواجهة الراهنة من القدس إلى غزّة في ظرف انسداد تاريخي، حشر الفلسطينيين في متاهة لا يكادون يراوحون أماكنهم فيها، وقد تبدّت في هذا الانسداد، مؤامرة تصفوية تكاد تجهز على القضيّة الفلسطينية، متعزّزة بتخندق رسمي عربي في الصفّ الإسرائيلي، وفي مقابل ذلك عجز فلسطيني مطبق، حاول أن يفكّ قيوده بالعودة إلى ذات القواعد التي خلقت الانسداد التاريخي، أيّ بالعودة لمحاولة الإصلاح من خلال السلطة المحكومة بسقف الاحتلال، ومع إلغاء هذه المحاولة من قيادة السلطة، خيمت الكآبة على المشهد الفلسطيني بالكامل.

تحقيق اختراق في هذا الانسداد هو إنجاز استثنائي. يمكن القول إنّ الاختراق بدأ ينطبع على جدار الانسداد التاريخي بهبة القدس المتدحرجة من ساحة باب العمود، مرورا بالشيخ جراح وصولا للمسجد الأقصى. ساعد ظرفا الهبّة الزماني الرمضاني، والمكاني في الأقصى، لما لهما من حساسية، وإمكانية حشد في المسجد الأقصى أثناء رمضان في دفع الهبّة للأمام، ومدّها، ثمّ نجاح الهبّة في حيزها الجزئي بإجبار الاحتلال على التراجع عن بعض إجراءاته في باب العمود، ومنع المستوطنين من اقتحام الأقصى، والمشهدية المؤثرة أثناء اقتحام الشرطة الإسرائيلية للمسجد.. ألهم ذلك الفلسطينيين على مدى رقعة وجودهم، واستعاد الاهتمام الشعبي العربي من جديد.

لكن ينبغي الإقرار بأنه ما كان للهبة أن تصل إلى هذا المستوى من الاختراق، دون التدخل المسلح من المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة، التي سعت لفرض معادلة جديدة تفرض فيها المقاومة نفسها عاملاً رئيسا على المستوى الوطني، يتجاوز حشرها في قطاع غزّة، وعلى نحو يشبه صياغته في شعار يقول: "القدس والمسجد الأقصى في حماية المقاومة".

وبخلاف ما ظنّه البعض، فإنّ التدخل العسكري للمقاومة لم يصرف الأنظار عن الهبّة الشعبية، وإنما وحّد الفلسطينيين في مشهد نضالي واحد، واستنهض الضفة الغربية، ووضعها في صدارة الأحداث، وهي المنطقة الأكثر حساسية في الأمن الإسرائيلي، والذي يحرص بدوره أن يفرّغها دائما من أي بواعث نضالية. واندمجت الفعاليات في القدس والضفّة الغربية والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 في حالة نضالية واحدة مع غزّة، بإضراب كبير شامل يعبّر عن وحدة الشعب والأرض والهدف والنضال، رافقته فعاليات اشتباك شعبي مع الاحتلال هي الأعنف في الضفّة الغربية من سنوات.

لقد شهدت القدس منذ العام 2017، هبّات متصلة بالمسجد الأقصى، حققت نجاحات موضعية كالهبة المقدسية الأخيرة، لكنها لم تتمدّد إلى بقية أراضي فلسطين بالعمق والانتشار الراهن، مما يعني أنّ تدخل المقاومة المسلحة في هذه الهبّة هو ما منحها هذا الامتداد، الذي وسّع من الخرق في جدار الانسداد التاريخي، مستفيدا من جملة من التغيرات السياسية الداخلية ابتداء من الحالة الفلسطينية الداخلية وصولا إلى السياسات الدولية.

هذه الصورة في حدّ ذاتها ملهمة ومفصلية، وشديدة الدلالة على ممكنات الإرادة، وعدم توقّف التاريخ عند لحظة قوّة منتفشة، وإمكان مدافعة المستضعفين صناعة الفارق، لكن في قلب هذه الصورة ثمّة صورة ملحمية للمقاومة في قطاع غزّة من مستويين: المستوى الأدائي الظاهر المباشر، الذي كشفت فيه المقاومة عن تجاوز المستحيل، من حصار مطبق، وانعدام للظهير، وانكشاف للجغرافيا الضيقة والمفتوحة، في تطوير قدراتها من حيث العتاد أو الاستعداد بالخطط الحربية، وطبيعة التنظيم العسكري الكفؤ، وهذا هو المستوى الثاني، الذي وفّر للمقاومة في مستوى الأداء الصمود، وإطلاق بعض ما طورته من أسلحة وأدوات قتالية، وعلى النحو الذي فرض معادلات جديدة في سياق صراع الإرادات مع المحتل الإسرائيلي.

لقد تمكنت هذه المقاومة، في ظرف مستحيل، إذ تنعدم أيّ مقارنة بينها وبين عدوها، من فرض حظر طيران جوي على العدوّ، وإنزال أكثر الجمهور الإسرائيلي إلى الملاجئ، وذلك كله من داخل منطقة صغيرة من داخل فلسطين لا من خارجها، وهو الأمر الكاشف عن افتقاد الكيان الإسرائيلي للعمق الاستراتيجي، مما يجعل أيّ معركة تحرير عربيّة جدّية هي معركة ممكنة في وقت قياسي لو توفّرت الإرادات، فهزائم عامي 1948 و1967 هي هزائم إرادات لا تنمّ عن استحالة إسرائيلية، بدلالة الإمكان الذي تكشف عنه المقاومة الفلسطينية في غزّة.

يلاحظ المتابع العربي الآن التراجع الاستراتيجي الإسرائيلي، حينما يخوض معركة مع غزّة بأهداف تكتيكية لا يتضح منها أيّ هدف استراتيجي. فالعودة للجمهور الإسرائيلي بتدمير المباني وقتل النساء والأطفال ليس فيها أيّ معنى استراتيجي مع فشل سياسة الردع وكيّ الوعي. فمنذ العام 2000 والمقاومة في غزّة في حالة مواجهة مفتوحة؛ ما يتخللها من أوضاع تهدئة تستثمرها في الإعداد والتطوير والمراكمة، وهي حالة لا مثيل لها في الإقليم العربي، الأمر الذي يعني الفشل الحتمي لسياسة الردع الإسرائيلي، والذي يدلّ على خطّ استراتيجي متصل ومتصاعد للمقاومة في غزّة منذ 21 عاما.

بغضّ النظر عن أي مكاسب سياسيّة مهمّة يمكن لحركة حماس أن تحققها من هذه المواجهة، وبما يمكن استثماره في توسيع هذا الخرق في الانسداد التاريخي، وهو ما يمكن أن نتناوله في مقالات قادمة، فإنّ هذه المعركة، بالقدر الموجز الذي بيّناه، تمثل أملا جدّيّا في إمكان عربيّ تحرّري، يفكك فيه الكيان الصهيوني، وبما يتيح للعرب بعد ذلك تلمس طريقهم بعيدا عن الهيمنة الاستعمارية.



عاجل

  • {{ n.title }}