وائل وضياء... للمربع والمخمس معنىً مقلوب في سجون "الوقائي"

 

من خلف بابٍ اعتلاه الصدأ واختفت ألوانه في ظلمة المكان يعلو بين الحين والآخر صوتٌ يتوجع.. الصمت سيد الموقف هنا في سجن الجنيد بنابلس المحتلة، والكلام مسموحٌ فقط للاعتراف بما لم يقع.

ومن "جفرا وزريف الطول" إلى "سجان أبوك يا سجن" تجول الخواطر والأفكار في ذهني الزجالين الشعبيين الشقيقين وائل وضياء شحادة وهما يغرقان في رحلة ذكرياتٍ عميقةٍ فيتذكرا حفلات الزجل و"القوالة" في ريف الضفة الغربية.

غريبٌ أمر السجون، فبين الأمس واليوم جعلت الزجال يدرك أن "المخمس" أصبح "مقلوباً" فقط في زمن الفلسطينيين الجدد، وأن لا "مربع" تغنيه الأجهزة الأمنية إلا عن هندسة زنزانةٍ بالكاد تتسع لشيءٍ غير الأحزان.

وبينما يغرق الزجالان المعروفان باسمهما الفني "العوريفي" نسبةً لبلدتهما عوريف في بحر الذكريات يطل عليهما محققون احترفوا فن اللهو بجراح المعذبين... يسأل المحقق أسيره بغباءٍ: "ماذا تفعل هنا؟؟"، يواصل الأسير التحديق في وجه سجانه الذي يقولب السؤال مجدداً ماذا تفعل هنا؟؟، فيحتار السجين كيف يجيب.

يفكر وائل العوريفي في السؤال مجدداً ويتحول من الجواب للاستغراب، فعلاً لماذا هو هنا؟؟ ويقرر أن يجيب ولكن بلسان شيخ الزجالة الفلسطينيين أبو عرب ليقول لسجانه الفلسطيني أيضاً: لأنا...

ما بعنا أرض وعرض يا منطوي بالشال..... بل بعنا أرواحنا وكنا قرابينا

والعمر ما امتدت أيدينا لتقبض مال    ...... إلا عالزناد ما امتدت أيادينا

تقفز الأفكار سريعاً في ذهن العوريفي وينتقل في رحلة ذكرياته ليستعرض ما قاله "زملاء المحنة عن واقعه، يتذكر سميح شقير وهو يدمي قلوب الفلسطينيين بغنائه لعتمة الزنزانة في "إيه يا سجاني".. ويحن لخبز أمه ويشتاق لقهوتها ولمستها كما هو حال مارسيل خليفة.

يواصل العوريفي رحلة الأشجان فينطلق لسانه بأشعار قعبور ويغني أقوال اليرموك في "معتقلون ولكن نمضي للصبح" و "سجنوك وكانت أعينهم"، قبل أن يرجع للحنين مع شيخ المنشدين أبو راتب وهو يشدو "السجن جناتٌ ونارٌ".

ويمضي الركب بالعوريفي ليتذكر أيام اعتقاله في سجون الاحتلال، فيشتاق لدفء الصحبة، يتذكر يوم وفاة والده الذي ترك في العام 1986 خلفه سرب صقورٍ في سن الفراخ، فيعود لعبارات "فرقة العاشقين" النازفة " لا تظن دمعي حزن دمعي عأوطاني.. على كمشة زغاليل في البيت جوعاني"...

وتنهمر الدموع مجدداً من عيون وائل وهو يرى صورة أمه السبعينية تقف بكل عنادٍ عند باب الزنزانة، فيعود إلى ما قبل ثلاثة أسابيع من الآن ليرى مشهد بيته المتواضع في عوريف، يطل من نافذة الذكريات على تاريخ 23\9\2012 فيرى أكثر من مائة عنصر من مختلف أجهزة السلطة تحاصر منزله زاعمةً الكشف عن غرفة أسفله لصالح كتائب القسام الجناح المسلح لحركة حماس.

يتذكر وائل أمه وهي تتشبث بفلذات الأكباد هو ونهاد وأنور وضياء، كيف قاتلت بنواجذها لتمنع اعتقالهم دون جدوى، فيأخذ وائل تنهيدةً أعمق ويصبر النفس بكلمات عبد الفتاح عوينات "إصبر فصدرك واسعٌ .. لكنه كالبحر في يافا كتوم".

يفيق وائل من بحر الذكريات، يقف خلف باب الزنزانة متلصصاً على ما يجري في كارادور التحقيق " الممر الطويل المظلم الذي يفصل بين غرف وزنازين التحقيق في سجن الأمن الوقائي بالجنيد"، فيرى ذات المحقق الغبي يوجه ذات الأسئلة السخيفة لشقيقه ضياء.

لا يأبه وائل كثيراً لما يسمع من إسئلةٍ حفظها عن ظهر قلب، لكن دموعه تزين ابتسامةً تعتلي شفتيه وهو يسمع ضياء يجيب المحقق على السؤال إياه قائلاً:"

لأني ما وطأت الرأس لريح الخيانات... لأني ما طبعت على عقود الذل بصماتي

أسير على جراحاتي وتنهشني عذاباتي... وكل جريمتي أني فلسطيني فلسطيني

 

 

 



عاجل

  • {{ n.title }}