لحمٌ ودم

بقلم: قسام نجم ..  ناشط شبابي

كثيرٌ ما تشدنا أخبار الأسرى الحاضرة دائما، فالحديث بالنسبة لفلسطيني أخبار أخ أو صديق أو قريب أو ربما تكون أخبار رفاقٍ لم تجف دموع وداعهم بعد، وحضورِ هذه المادة الأخبارية في الإعلام يمتد من الأيام الأولى للعام حتى نهايتها، تمتد أخبارهم من معاناتهم في أيام البرد القارص إلى أيام الحر الشديد، ودائما تجدُ إدارةُ مصلحة السجون في كل ظرف وحالة طريقة أو أخرى للتنغيص على الأسرى. أما أخبار المضربين عن الطعام فتشكل وتيرة غير متناغمة في الصعود والهبوط، ما بين ازدياد في عدد ايام الاضراب وزيادة عدد المضربين وانتصار أحدهم وتدهور خطير في صحة آخر. وكل هذه الأخبار وأكثر قلَّ ما تجد بينها شيء عن وقفات حقيقية إلى جانب الأسرى أو نصرةً لقضيتهم .

إن الناظر والمتابع لشؤون الأسرى وقضيتهم ليرى وبوضوح أن كلا الجناحين الاعلامي والتضامني لا يرقى أبداً إلى المستوى الآدمي للأسرى رغم التطوير الكبير والمستمر لأوضاعهم ومعاناتهم، فالإعلام الذي أصبحت فيه قضية الأسرى جانبا من تلاوة كلمات مكتوبة لم يستطع بعض المحررين أن يتجاوزوها كغيرهم من المحررين، فصاغوا هذه الكلمات بقالب يدعوا إلى التثاؤب والغثيان، وتكتمل الصورة عندما يتلو المذيع هذه الكلمات في نهاية النشرة في وقت بدأ شيء من الحشرجة يتسلل إلى صوت المذيع وما زالت كلمات العفو تقطع أوصال الخبر كما قطع الإعراض قلوب أسرى خذلتهم هبات النصرة لأجلهم. أما التضامن المنشود والوقفة المنتظرة على أساس انسانية ذلك الكائن المنتظر خلف القضبان، فلم تعد سوى أحلامٍ وردية في مخيلة بعض الأسرى الذين ما زال لديهم قليلٌ من قليلِ أملٍ خذلهم كثيراَ .

إن ذلك الكائن الذي يعيش خلف القضبان وفي عتمة السنوات ما زال يصرُّ أنه آدميٌ من لحمٍ ودم، وما زال هذا الكائن يثبت بالإضراب الجماعي أو الفردي تارة أو انتزاع حقوقه بكل الوسائل الممكنة تارة أخرى أنه انسان يستحق الاحترام والإجلال، فليس من يعيش في بيته وبين أهله هو الانسان إنما من يرفض غير حقوقه وحريته ومن ينتزع مطلبه من فم غادره رغم اعراض الأخ والقريب لهو الانسان.

لحم ودم هو كل ما تبقى للأسير في عالم اللامكان ولم يتبقى له على منّة من سجَّان بل لأن السجان لم يستطع أن يصادرهما، فكانا سبيل الأسير لكل شيء، مزجهما بعصب الكرامة فتحول اللامكان إلى مكان وتحول اللاإنسان إلا إنسان، بهما حارب المحتل وانتصر وبهما استطاع خضر عدنان واخوانه أن يتنفسوا نسيم الحرية ، ولكن ما أدمى القلب وجفت له المقل أن اللحم والدم الذي انتصر به الأسرى لم يستطع أن يحاور فينا ضمائر قد جفَّ فيها عرق الحياة، وما يصيب القلب في الصميم سوا أن لحماً ودم ذاب في بحره سمُّ محتل حاقد لما يستطع أعلامنا أخذ صورة جميلة له، لم يستطع اعلامنا أن يصوره غير عالة على شعبه رغم أنه هو من صنع النصر لشعبه وهو من احيا الكرامة لأمته. فمنكم ألتمس عذراً ، لأنه لربما من لم يفهم لغة اللحم والدم لا يملكهما، واعلامٌ يصور المنتصر عالة لربما من المشين أن يعد اعلاما ومن العار الاعتماد عليه .



عاجل

  • {{ n.title }}