عن منظمة التحرير بمناسبة عودة الحديث عنها

 

 للقلق على منظمة التحرير الفلسطينية، ما يبرره....ليس لأن الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 67، سيعني حكماً إزالة صفة «الممثل الشرعي الوحيد» عن المنظمة، فهذا أمر تدور حوله سجالات قانونية جافّة ومهمة...بل لأن الذهاب إلى الأمم المتحدة أخيراً، جاء بعد سنوات عجاف، تناهز العشرين عاماً، من التهميش المنهجي المنظم للممثل الوطني، الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ومن يسأل الفلسطينيين في الشتات عن منظمة التحرير، لن يجد صعوبة في إدراك كهنه «الحضيض» الذي آلت إليه.

والحقيقة أن القيادة الفلسطينية تصرفت خلال هذه الفترة بنوع من «قصر النظر» و«البراغماتية» المؤذية...لم تكن تنظر لما هو أبعد من أنفها أو موطئ قدمها...وحيثما تواجدت القيادة، تواجدت «الحلقة المركزية» في النضال الفلسطيني...عندما كانت القيادة في الخارج، جرى تهميش الداخل، وعندما انتقلت إلى الداخل، جرى تهميش الخارج، وهي في لبنان، كانت بيروت مبتدأ الجملة الفلسطينية وخبرها، وعندما انتقلت إلى تونس، جرى تهميش لبنان...وهكذا من حلقة إلى حلقة، ومن ساحة لأخرى.

ومنذ أوسلو تحديداً، بدا أن مصير المنظمة يتعرض لتهديد أخطر وأعمق من مجرد الإهمال، و«سياسة المياومة» قصيرة النظر التي اتبعتها القيادة الفلسطينية...هذا التهديد نجم عن «نظرية» بدأت ترى في مجرد وجود المنظمة عبئاً على «مشروعها الخاص»، مشروع «المفاوضات حياة» و«لا بديل عن المفاوضات العبثية سوى المزيد منها»....بدا أن المنظمة وهي رمز الشتات الفلسطيني، تقف شوكة في حلق من يريدون التخلص من عبء «حق الشعب اللاجئ في العودة إلى وطنه»...بدا أن وجود المنظمة يرتب مسؤوليات حيال لاجيئ دول الطوق، لا ترغب بعض حكوماتها بأن يكون للمنظمة دور في أوساطهم، والمنظمة بدورها بدت «زاهدة» في ممارسة هذا الدور أو حتى المطالبة به...كما أن وجود المنظمة يملي على قيادتها، مسؤوليات حيال عرب 48، لا رغبة ولا قدرة لها على توليها.

باختصار لقد تحول المشروع الفلسطيني، أو كاد أن يتحول، إلى مشروع الضفة الغربية وقطاع غزة وما تيسر من القدس بعد اقتطاع كتلها الاستيطانية الكبرى، سياسياً وجغرافيا وديموغرافياً...وفي ظني أن مشروع كهذا، كان بحاجة «سلطة وطنية» مفصلة على حجمه ومقاسه، أكثر من حاجته إلى «منظمة تحرير» بعباءتها الممتدة بامتداد الانتشار الفلسطيني...ولهذا لم يكن مفاجئاً أن تنتهي العلاقة بين المنظمة والسلطة إلى ابتلاع الأخيرة (الابنة) للأولى (الأم)، مع أن شرعية الأخيرة ومبرر وجودها، مستمدان من الأولى.

اليوم، ومع وصول خيار «المفاوضات حياة» إلى طريق مسدود، وتوجه القيادة الفلسطينية صوب الأمم المتحدة لطلب الاعتراف بدولة «الـ67»، يزداد القلق على مصير منظمة التحرير من الناحيتين القانونية والسياسية...وسيتقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس برسالة إلى شعبه، يطمئنه على مصير المنظمة و»العودة» على حد سواء...لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هل ستكون كلمات الرئيس عباس كافية لإثارة طمأنينة الشتات إلى «مستقبل ممثلة الشرعي الوحيد» ومصير «حقه في العودة إلى وطنه»...الجواب من دون مجازفة: لا كبيرة ومكررة.

والسبب ببساطة، أن جماهير اللاجئين «اشتاقت» لمنظمة التحرير بعد غيابها عنها لسنوات عجاف طوال...وأنها – جماهير الشتات – وإن كانت لمّا تزل تؤمن في غالبيتها العظمى، بأن المنظمة هي ممثلها الوحيد، لم تر حتى الآن، أية مبادرة جدية من الرئاسة أو المنظمة أو فتح أو السلطة، أو أية جهة فلسطينية لإعادة بناء منظمة التحرير وهيكلتها وتجديد شبابها وتفعيل حركتها وتصليب عودها وصيانة بنيتها التحتية.

لقد جرت بهذا الشأن، «حوارات وطنية» واسعة وعريض وعميقة، أسفرت عن أكثر من «ورقة» و«اتفاق» لإعادة هيكلة المنظمة وتفعليها وتوسيع مظلتها لتشمل حماس والجهاد والخارجين من صفوفها...لكن شيئاً لم يحدث على هذا الطريق...مبرر الرئاسة وفتح والمنظمة، أن حماس ما زالت تشكل عقبة في وجه هذا المسعى، فهي لا تعترف بوحدانية وشرعية وحصرية التمثيل الفلسطيني في إطار المنظمة...وأنها لكي تقبل بمنظمة التحرير وتعترف بصفتها هذه، تشترط الهيمنة عليها ووضع اليد على مؤسساتها، وهذا أمرٌ دونه خرط القتاد.

سنأخذ هذه النظرية بكثير من التحفظ، ولكن سنأخذ بها لغايات بحث المسألة، ونتساءل: لقد مضى على أولى محاولات واتفاقات «إعادة هيكلة المنظمة» سنوات طوال، كانت كافية بكل المقاييس لبناء المنظمة من جديد، وتفعيل حضورها كما لم يحصل من قبل، لماذا أحجمت قيادة فتح والمنظمة عن فعل ذلك من دون حماس؟...هل يعني عدم قبول حماس الالتحاق بالمنظمة بشروط معقولة ومتوازنة، أن نبقي المنظمة على حالها الشائخ والمترهل و»المختطف» من قبل رموز وأسماء لا وزن لها، ولا قيمة لها بذاتها؟...ألم تنشأ المنظمة قبل حماس ومن دونها، وهل كان من المستحيل تفعيلها وتنشيطها من دون حماس؟.

هي ذريعة تساق لتبرير التقصير و»التعمية» على الأسباب الحقيقية لإبقاء المنظمة في حالة شلل....فمن كان شغوفاً بالمنظمة، كان سيعمل على بعث الحياة في عروقها المتيبسة...من كان مهجوسا بالشتات، ما كان انقطع عنه وأدار له الظهر، برغم كل الأزمات التي يعانيها في الدول المضيفة والدول غير المضيافة...إن تعطيل منظمة التحرير كان ثمة مرة من ثمار «الوهم» الفلسطيني القاتل...والمأمول أن تكون الصحوة الأخيرة على أهمية دور المنظمة ووظيفتها التي تتخطى وظيفة «ذكر النحل»، الموت بعد التلقيح (التوقيع)...المأمول أن تكون هذه الصحوة، بداية طريق جديدة، لبعث الروح والحياة في الممثل الوطني، وأن يكون ذلك من ضمن مشروع مصالحة وطنية حقيقة تتخطى الحسابات الفصائلية الانتهازية، وسياسات «الإتجار بالأوهام»، إلى الحرص على المصلحة الوطنية العليا، على اتساعها.

المصدر: صحيفة الدستور الأردنية.



عاجل

  • {{ n.title }}