عندما يقف بعض الدعاة على (مسافة واحدة) من جميع الأطراف ...!!

ليس من طبعي توجيه النقد للأشخاص وليس من هوايتي التجريح إلا عندما يطف الصاع ويبلغ السيل الزبى. وفي خِضَمّ ما يجري في مصر خاصة موضوع الانتخابات نرى أن المشهد السياسي بات أكثر وضوحاً حيث انحاز من انحاز للمرشح محمد مرسي حيث يجمعهم الغيرة على مصر والتخوف من مستقبل غامض قد يخلط الأوراق كلها إذا فشل هذا الخيار وبالمقابل تجند من تجند لدعم الفلول برئاسة شفيق وكأني أرى أن مصر كلها اليوم في حالة استنفار كبير ومعها كل العالم في حالة ترقب شديد وانتظار يشوبه قلق كبير .

لكن ما جعلني أخطّ هذه السطوروأنا أتمزق من داخلي أن أرى بعض الدعاة الذين لمع نجمهم وفتح الله عليهم من البلاغة والحجة والمنطق في توصيل أفكارهم ينحازون اليوم إلى صف شفيق ، وأحسب أن هؤلاء الدعاة كان جل جمهورهم والذين نشروا فكرتهم واستقبلوهم واستضافوهم إنما هم من شباب الحركة الإسلامية وتحديداً الإخوان، ولا أخفي هنا أن الأستاذ عمرو خالد قد بسّط مفاهيم الإسلام وأوصلها إلى جهات عجز كثير من الدعاة الوصول إلى هذه الجهات مثل كبار رجال الأعمال والفنانين والنخب السياسية ولعمري أنه حبب الناس بالإسلام، فكم انهمرت دموع الندم من مآقي، وسالت على وجنات المذنبين والمقصرين فكم من المواقع التي كانت مغلقة وعالماً مجهولاً اقتحمها عمرو خالد ونسفها منداخلها وحول مسارها بأسلوبه السلس البسيط، ثم أسس مدارس صناع الحياة والتي انتشرت في أرجاء وطننا العربي وكنت أرقب وأنظر وأرى أن القائمين والمشرفين على هذه المدارس والذين أنجحوها هم شباب الحركة الإسلامية.

ولكن ليس معنى هذا كله أننا نوافق بالمطلق على كل أفكار الأستاذ عمرو خالد وكم تحدث بعض النقاد عن بعض جوانب الخلل في طريقة عمرو خالد وأسلوبه في التواصل مع أكثر من جهة إلا أن هذا كله لم يكن ليفسد للود قضية اذا كانت من باب الاجتهاد الشخصي.

إن المفاجئ لكل محبي عمرو خالد أن يقف على قدم المساندة وكَيلِ المديح لشفيق يلمس الخلل الواضح والازدواجية في الخطاب لدى هذا الرجل ولعلنا نعذره كما عذرنا غيره عندما رفض مساندة الدكتور مرسي لكن الذي لا نعذره فيه نحن وجميع مريديه عندما يكيل المدائح لشفيق ويصفه بأنه صاحب الخبرة ويملك مفاتيح الدولة ثم ارتمائه في أحضان حزب الوفد لمناكفة الإخوان ثم الإعلان عن تشكيل حزباً للتصدي للإخوان فهذه كبيرة تجعلنا نرمي (البحصة) من فمنا.

لقد ظن بعض الدعاة بما وهبهم الله من ملكةٍ في بعض ألوان العلم والدعوة وحسن مشافهة الجمهور بأنهم وصلوا إلى مصافّ كبار العلماء مما أوقعهم في حرج شديد وخلط كبير ولعل المتابع يلاحظ أن بعض الدعاة هؤلاء قد أقحم نفسه في عالم غير عالمه الذي تعود السباحة فيه فدخل ساحة السجال السياسي فشرّق وغرب وشمل وجنب ولم يرسي إلا على بر شفيق وأعوانه.
 
إن البعض عندما يخضع القواعد الشرعية للمجاملات الدبلوماسية ويجد مخرجاً لهذا الزعيم أو الحاكم أو ذاك ويمدحه وينتقد مناوئيه سيكون عند ذلك أقرب للسقوط وسينفض عنه كل من أحبه وسيبكي عليه كل من بكى بحضرته، فعندما يشبه الأستاذ عمرو خالد جنازة (البابا شنوده) بجنازة الإمام أحمد بن حنبل ثم يجلس بعد ذلك لفترات وهو (يُطَيِّب) خاطر الأقباط فهذه بحاجة إلى مراجعات ووقفات مع الذات.

إن بعض الدعاة عندما يعلن أنه يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف السياسية فهذا لعمري قمة التميع في المواقف بل والانحياز ضد رغبات الشعوب لقد مرت مرحلة اشتهرت فيها مقولة الرأي والرأي الآخر عبر بعض وسائل الإعلام وأن كنا في تلك الفترة قد صمتنا ونحن نرى كيف توازي تلك الوسائل بين الضحية والجلاد وأنه من حق الجلاد أن يدافع عن نفسه ويبرر أفعاله إلا أن صَمتَنا باعتبار أن تلك الوسائل على الأقل فتحت المجال للضحية رغم مرارة ظهور الجلاد بعنجهية .

إلا أنه جاء الوقت لمناقشة هذه الفكرة من أساسها ووضع النقاط على الحروف بعيداً عن المجاملات بحيث لا يعني هذا بالمطلق إلغاء الآخر ولكننا عندما نرى أن الآخر لا يريد سماع نَفَسَ أحدٍ سواه ولا يريد أن يرى ظل أحدٍ غيره بل ويريد للأرض أن تنشق وتبتلع كل من يعارضه عند ذلك حقَّ لنا أن نحاصر هذا المد من التطرف المفرط في معاداة الآخرين.

ختاماً كان لا بدمن دورات في السياسة الشرعية والعقيدة وتصحيح السلوك الشرعي لمن أراد أن يتصدى باسم الإسلام وباسم الدعوة.

إن هذه السطور تمثل حزناً على واقع مرير لبعض الشخصيات اللامعة ولكن مرحلة التمحيص كان لا بد لها أن تأخذ مجراها فهي سنةٌ وقانونٌ الهي.



عاجل

  • {{ n.title }}