عبد الله الرغوثي .. صاحب أعلى حكم في تاريخ الإحتلال

سلط قرار الاحتلال بحرمان الأسير عبد الله البرغوثي من زيارة عائلته الضوء على معاناته في سجون الاحتلال حيث يقبع رهن حكم بالسجن 67 مرة بتهمة تزعمه لأخطر خلايا كتائب الشهيد عز الدين القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية "حماس".

سلطات الاحتلال ربطت بين حرمان البرغوثي من الزيارة وبين منع عائلة الجندي الصهيوني الاسير في قطاع غزة جلعاد شاليط من زيارة ذويه من قبل حركة "حماس".

"أمامة" أخرجت ملفات الأسير البرغوثي من أدراجها وسلطت عليها حزمة ضوء في هذا التقرير.

 
الميلاد والنشأة 

ولد القائد الأسير عبد الله غالب عبد الله البرغوثي في الكويت عام 1972، وشب خلالها على التعلق بذاك الوطن البعيد القريب في نفسه، كان يخطط دوما رغم صغره للعودة، وكان يقول دائما " هذه البلاد ليست لنا، وسنعود لأن هناك ما ينتظرنا.." و هذا الأمر لم يثن عزيمته فقبيل رحيله وعائلته عائداً إلى الأردن في أعقاب حرب الخليج، استطاع تفريغ طاقاته الجهادية المبكرة في صد القوات الأمريكية التي أتت غازية الى الكويت عام 1990، مما حدا بالسلطات المحلية لاعتقاله وتعذيبه في سجونها لمدة جاوزت الشهر.

وبمجرد خروجه عادت الأسرة الى الأردن ليكرس وقته في حينها لإنهاء الثانوية العامة، وبالفعل حصل على معدل مرتفع وقرر على إثرها السفر الى كوريا حيث بدأ عام 1991 بدراسة الأدب الكوري بعد إتقانه للغة، ومن ثم بدأ دراسة الهندسة الإليكترونية دون أن يستطيع إنهاءها، وقرر العودة مرة أخرى الى الأردن وعندها بدأ العمل كمهندس صيانة في إحدى الشركات، واستطاع في أعقابها عام 1998م الحصول على عقد عمل مع إحدى الشركات الفلسطينية في القدس، وبذلك راح الحلم يقترب أكثر فأكثر نحو الوطن.

تزوج عبد الله البرغوثي عام 1998م في الفترة ذاتها التي عاد بها الى قريته بيت ريما، وهناك شرع بتأسيس عائلة له .

ولم يكن عبد الله يحمل بطاقة هوية فلسطينية لأن عائلته كانت قد فقدت المواطنة أثناء وجودها في الكويت، ولكنه استطاع القدوم الى فلسطين عن طريق تصريح الزيارة، وقرر بعدها " أن العودة أمر مرفوض..وأنه لطالما حلم بالوصول الى فلسطين، ولن يتركها بعد أن سكنته وسكنها..".

 

مشواره الجهادي

بدأت رحلة القائد عبد الله البرغوثي مع الاعتقالات والعمل الجهادي بمجرد بدء انتفاضة الأقصى ففي آب 2001 كانت مخابرات السلطة في رام الله تطالبه بتسليم نفسه بينما كان يعمل في نابلس في إحدى شركات تركيب اللواقط الفضائية، حيث كان عبد الله يتنقل من رام الله الى نابلس بواسطة هويات مزورة لشخصيات معروفة وغير معروفة وقد خدمته هذه البطاقات كثيرا .

في إحدى المرات حضرت المخابرات الفلسطينية الى منزله من أجل مطالبته بتسليم نفسه، وكان يظن الأمر لا يعدو كونه تحقيقا في أمر البطاقات المزورة، لكن عندما وصل إليهم كانت الأمور تتخذ منحى آخر، حيث وصلت لديهم معلومات مؤكدة عن نشاطات يقوم بها عبد الله البرغوثي في إطار الجناح العسكري لكتائب عز الدين القسام، وأنه بصدد الإعداد لمجموعة من العمليات الخطرة ، لذلك تعرض عبد الله وشقيقه بلال في سجون الأمن الوقائي لتحقيق قاس، فقد كان يغطى رأسه بكيس أسود لفترات طويلة، بالإضافة الى الضرب والتهديد ، وكان اعتقاله لدى الوقائي في رام الله في التاسع من آب 2001 وهو اليوم الذي وقعت فيه عملية " سبارو " الاستشهادية، تلك العملية التي اتهمته المخابرات الصهيونية أنها الأولى التي سعى لتدبيرها من أجل الانتقام  والثأر لاغتيال قادة حماس في نابلس الشيخ جمال منصور و الشيخ جمال سليم .

 

بصماته الجهادية
 
استطاع القائد عبد الله البرغوثي خلال فترة مطاردته الإشراف على تنفيذ عدة عمليات نوعية جاءت ردا على جرائم اغتيال ومجازر كانت ترتكبها قوات الاحتلال بصورة وحشية، واعتبر من أبرز مهندسي كتائب الشهيد عز الدين القسام.
فبالإضافة الى عملية سبارو التي شكلت الشرارة الأولى، اعتبرته المخابرات الصهيونية كما جاء في لائحة اتهامه الطويلة التي تبعث على الفخر والتي أتت في 109 بنود، حيث وجهت إليه تهمة الوقوف خلف عملية الجامعة العبرية، ومقهى "مومنت"، والنادي الليلي في مغتصبة "ريشون لتسيون" قرب تل الربيع وقتل فيها نحو 35 صهيونية وجرح 370 آخرين؛ كما وجهت إليه تهمة المسؤولية عن إدخال عبوات ناسفة إلى شركة غاز رئيسية في مدينة القدس المحتلة ، و كذلك المسؤولية عن إدخال عبوات ناسفة في من خلال سيارة مفخخة إلى محطة الغاز وتكرير البترول قرب تل أبيب وما يعرف بمحطة "بي جليلوت"، وكان حصاد مجموع القتلى الصهاينة في العمليات التي دبرها القائد الأسير عبد الله البرغوثي نحو 66 صهيونيا وأكثر من 500 جريح .

 

حنكة المطارد

 

رغم عمله الجهادي ودوره البارز في المقاومة إلا أن الأسير عبد الله البرغوثي كانت تقف خلفه حياة هادئة كان يعيشها البرغوثي مع عائلته في رام الله، حيث كان يعيش يومه بطريقة طبيعية رغم عمليات الاجتياح والمداهمة المستمرة التي كانت تشنها قوات الاحتلال في رام الله من أجل اصطياده، دون أن تستطيع تحديد هويته، ففي عدة مرات داهم جيش الاحتلال الشقق التي كان يسكنها مع عائلته وقاموا بإنزاله مع باقي السكان وتفتيش العمارة، وتفتيش البطاقات الشخصية  دون أن تستطيع التعرف عليه .

وفي إحدى المرات كانت الهجمة كبيرة على شقة كان يقطن فيها في حي الشرفة، ولكن ثبات عبد الله وحنكته جعله ينسحب من الشقة بكل أمان وطمأنينة أمام أعين الجنود بدون أن يثير شكوكهم وانتقل الى شقة أخرى.
وكذلك عند اجتياح عمارة النتشة وتدميرها من أجل البحث عن مطلوبين في بداية عام 2002، كان عبد الله بداخلها وقاموا باحتجازه مع الشبان ولم يستطيعوا التعرف عليه.
وهكذا كان البرغوثي يغادر بيته ويعود إليه بكل هدوء وبدون أن يضطر للتخفي، ويخرج مع أطفاله في نزهة قصيرة لا تثير شكوك أي أحد من الناس .

 

قصة اعتقال المهندس

 

بعد فترة من المطاردة تمكنت المخابرات الصهيونية اعتقال عبد الله البرغوثي على غير يقين من هويته في الخامس من آذار 2003، حيث كان يخرج من إحدى مستشفيات رام الله، بعد أن أسرع صباحا الى معالجة طفلته الكبرى تالا في حينها فوجئ بالقوات الخاصة تهاجمه وتكبله قبل أن يلقوا به في سيارة عسكرية، لتترك ابنته الصغيرة على الرصيف في صدمة وبكاء مرير ، ولم تخبر زوجته أحدا بأمر اعتقال زوجها وهي الفترة التي كان عبد الله قد طلبها منها بحيث  لا تخرج ولا تعلم أحدا بأمر اعتقاله، لأن المخابرات الصهيونية نفسها لم تكن متأكدة من هويته، ولا يريد أن يتم تأكيدها .

وبمجرد اعتقاله تم تحويل البرغوثي مباشرة الى معتقل تحقيق المسكوبية في القدس، وعلى الفور بدأ التحقيق، وتعرض لتعذيب قاس وبالرغم من ذلك لم يقدم أية اعترافات، فقد استخدم المحققون معه أسلوب التحقيق المتواصل طيلة 24 ساعة، وذلك لفترة زادت عن 13 يوما، بدون أن يمنح دقائق للنوم، بالإضافة الى الشبح المتواصل على كرسي صغير، وأسلوب الكيس الموضوع على الرأس لفترة طويلة، عدا عن الضرب والتهديدات باعتقال الزوجة وخطف الأولاد وهدم المنزل، وتشريد العائلة والأقارب، وعلى الرغم من أن أقصى مدة تحقيق مسموح بها قانونيا لا تتجاوز التسعين يوما، إلا أن التحقيق المتواصل مع التعذيب استمر مع عبد الله البرغوثي مدة زادت عن الخمسة أشهر، حيث اعتقل في آذار وخرج من التحقيق في نهاية شهر آب من نفس العام.

وبعد ذلك تم تحويله مباشرة الى عزل " هولي اكدار" مباشرة، حيث خضع منذ ذلك الحين لتضييق نفسي صعب ضده وألقي في ذات الزنزانة التي كان يقبع بها قاتل رابين، وفي الحادي والثلاثين من تشرين ثاني 2003، عقدت المحكمة العسكرية الصهيونية جلسة عاجلة نطقت فيها بالحكم النهائي، والذي كان السجن المؤبد 67 مرة ليكون أطول فترة حكم تصدر بحق أسير فلسطيني على مدار الاحتلال الصهيوني .

الاحتلال يلاحقه في عزله

منذ من أنهى القائد الأسير عبد الله البرغوثي التحقيق في زنازين الاحتلال في شهر آب / أغسطس 2003 لا زال محتجزا في العزل الانفرادي في سجن بئر السبع الصهيوني ، بحيث تحرمه من كثير من الحقوق والامتيازات الممنوحة للأسرى في بقية السجون ، ولا يسمح له بالخروج الى ساحة الفورة إلا لساعة واحدة في اليوم يكون خلالها مقيد اليدين والقديمين ، فالاحتلال يعتبر البرغوثي يشكل خطرا على الكيان الصهيوني رغم اعتقاله والحكم عليه ، ويزعم الاحتلال أن لديه معلومات حول قيام البرغوثي بنقل رسائل داخل السجن إلى عدد من أعضاء حركة حماس وتوجيههم لتنفيذ عمليات داخل الكيان الصهيوني وتم نقله للتحقيق عدة مرات منذ اعتقاله للتحقيق معه حول أنشطة يقوم بها وهو داخل زنزانته في العزل الانفرادي .

 كما منع الاحتلال مؤخرا ذوي الأسير عبد الله البرغوثي من زيارته، معللا ذلك بأنه يعامل الأسرى التابعين لحركة حماس بنفس الطريقة التي تعامل فيها حماس الجندي جلعاد شاليط ، وأكدت سلطات الاحتلال بأن قرار منع البرغوثي من زيارة ذويه جاء رداَ على طلب التماس قدمه في الآونة الأخيرة للسماح له بزيارة عائلته التي لم يراها سوى مرات معدودة منذ سجنه في عام 2003م  ، حيث عارض جهاز المخابرات الصهيوني الشاباك هذه الزيارة بدعوى الخطر الذي يشكله البرغوثي على أمن الكيان .



 



عاجل

  • {{ n.title }}