ظاهرة "المندوبين" .. خدماتٌ أمنيةٌ للاحتلال تستفز الفلسطينيين

تعتمد أجهزة الأمن والمخابرات حول العالم على دور عملائها السريين في تزويدها بالمعلومات من داخل المجتمعات التي تحكمها.

وعلى مر الزمن برزت ظاهرة "المندوبين" الذين يساعدون هذه الأجهزة في عملها، والذين يطلق عليهم في كثيرٍ من المجتمعات العربية لقب "الكتِّيبة"، كنايةً عن عملهم في كتابة التقارير وتقاضي الأموال لقاء ما يقدمونه للأجهزة الأمنية من معلومات.

ويساعد أولئك المندوبين أو كما يشيع تسميتهم في الضفة الغربية بصيغة جمع التكسير "المناديب" في عملهم إخفاءُ دورهم الأمني وطبيعة ما يمارسون من أعمال بسواتر مكشوفةٍ تظهرهم بشكلٍ يبعد عنهم شكوك الآخرين.

وتختار أجهزة المخابرات عادةً "مناديبها" من ذوي العلاقات المباشرة بالمواقع أو الأشخاص المستهدفة بالرصد، مما يسهل عليهم تأدية ما يطلب منهم من أعمال مراقبةٍ أو حتى التجسس على المواطنين والمؤسسات والهيئات.

الظاهرة المقلقة

وبعد الحسم العسكري في قطاع غزة، اعتمدت أجهزة أمن السلطة بشكلٍ كبيرٍ على هذه الظاهرة، مستعينةً بأشخاصٍ يساعدونها في مراقبة المواطنين والمساجد والجمعيات والجامعات.

وساعد أولئك المندوبين في أداء مهامهم طبيعة عملهم الذي يكون عادياً ولا يلفت النظر، باعتبارهم إما طلاباً أو موظفين أو حتى عاملين أو باعةً متجولين.

وتعمل أجهزة السلطة على صبغ نشاط مندوبيها بـ" طابع الوطنية" مدعيةً بأنه يساعد في كشف من يريد الإساءة للوطن أو المواطن، ومن يريدون العبث في الأمن كما تحب هذه الأجهزة أن تسميها.

ولكن الواقع وما يجري في الضفة الغربية بشكلٍ عامٍ يشير إلى ادوارٍ غريبةً يؤديها أولئك المندوبون كخدمةٍ كاملةٍ ومتكاملةٍ للاحتلال وأجهزته الإستخبارية، وذلك عبر ما يسمى " التنسيق الأمني" الذي شرعته الاتفاقات التي وقعتها سلطة أوسلو مع الاحتلال، لكن الفلسطينيين ينظرون إليه بريبةٍ كبيرةٍ وكثيرٌ منهم يعتبرونه شكلاً من أشكال العمالة للاحتلال.

ثقافة التجسس

ويعيب مناهضو ظاهرة انتشار المناديب على السلطة أنها حولت "التجسس" من سلوكٍ منبوذ إلى "حالةٍ واقعيةٍ"، إذ لم يقف الأمر عند حد تجنيد المندوبين من المؤيدين أو المتعاطفين مع فكر هذه الأجهزة، بل يصل إلى تشغيل من يركضون لجني المال الذي يهبط عليهم مقابل كل معلومةٍ يقدموها لهذه الأجهزة لتنقلها للاحتلال.

وخلقت هذه الظاهرة الكثير من الإشكاليات في المجتمع الفلسطيني، حيث يعمد كثيرٌ من المندوبين إلى كتابة التقارير لمجرد الحصول على المال وإن استند على معلوماتٍ كاذبة تؤدي للإضرار بالضحايا دون ذنبٍ اقترفوه.

كما تنتشر في مدن الضفة الغربية وقراها العشرات من القصص حول التقارير الكيدية والملفقة، بل أن كثيراً من عناصر حركة "فتح" تعرضوا للاعتقال على خلفية تقارير كتلك.

أحد الشبان من المحسوبين على حركة "حماس" في مدينة بيت لحم اعتقل لدى جهاز المخابرات، وبعد أيامٍ طويلةٍ من الشبح والتحقيق أبلغه المحقق أنه معتقلٌ لأنه استضاف في بيته اجتماعاً لـ"شباب المسجد" في إحدى الليالي.

قال الشاب لـ" أمامة":" كنت في اليوم المشار إليه موجوداً في عمان، والأختام على جواز سفري تثبت ذلك، لكنهم لم يقتنعوا إلا بعد أن ذهبوا إلى البيت واطلعوا على الجواز".

ويضيف:" أحد الذيم لا يخافون الله كتب تقريراً ليضرني، ولو لم اثبت أني كنت مسافراً في تلك الفترة لتحول أسبوع الشبح الذي قضيته إلى عامٍ من الاعتقال".

ابتزاز

ولأن الأجهزة ترغب بمعرفة المزيد لإرضاء سادتها، يعمل ضباطها على ابتزاز الناس للعمل معهم كمناديب، فتراهم يمارسون الضغط على كل من يراجعهم للحصول على "حسن السيرة والسلوك" لينخرط في هذا العمل.

بل إنهم يستدعون في كثيرٍ من الأحيان الموظفين الذين يتم فصلهم من أعمالهم لمساومتهم على عودتهم لاعمالهم مقابل تزويد أجهزة السلطة بالمعلومات والتجند للعمل معها.

وتستغل الأجهزة ما يسمى بـ"حسن السيرة والسلوك" والذي يطلب من أغلب المواطنين من أجل مزاولة العديد من المهن أو حتى لإخراج جواز سفر أو لقيادة سيارة أجرة للضغط على المتقدم للحصول عليه.

وقال أحد التجار من مدينة الخليل لمراسل موقع "أمامة" أنه تقدم للحصول على ورقة حسن سلوك من أجل الحصول على جواز سفر قرر أن يسافر عليه للتجارة واستيراد البضائع أن ضابط المخابرات أبلغه بأنه يجب القدوم في يوم آخر حتى يستكملوا المعلومات حتى منحه ورقة حسن السير والسلوك.

واضاف:" وبعدها طلب مني ضابط المخابرات أن أخبره عن كل من أعرفهم من تجار آخرين وكيفية تحويلهم للمال، قائلاً اني لن أحصل على حسن السلوك ما لم أدل بالمعلومات المطلوبة"..

طالب جامعي من دورا قال:" قدمت للحصول على ورقة حسن سير وسلوك للسفر والذهاب للجامعة، فتفاجأت من الضابط يطلب مني العمل لديهم مقابل تسهيل السفر وحتى التنسيق مع الاحتلال لذلك، وإعطائي ما يساعد في دراستي بسبب وضعي المادي المتوسط, ومقابل ذلك طلب الضابط معلومات عن الشباب الدارسين معي من فلسطين وعن مدى التزامهم وعن علاقتهم مع أي تنظيمات خارج فلسطين".

كما استخدمت الأجهزة الأمنية حتى الأطفال في تزويدها بالمعلومات كما قال أحد الآباء أنه تفاجأ بأن ولده يمتلك هاتف وعليه رقم تحت اسم الأستاذ والذي كان يطلب منه تزويده بمعلومات عن الجيران القريبين منهم.

وهنا يتضح لنا خطورة هذه الظاهرة والتي تستخدمها الأجهزة الأمنية في خدمة مشروعها القاضي بمحاربة المقاومة وملاحقة أنصارها بالضفة الغربية.

 



عاجل

  • {{ n.title }}