حكاية إنسان رفض الهوان.. إنه الشيخ خضر عدنان

 

بقلم: احمد البيتاوي/ الباحث في مؤسسة التضامن لحقوق الإنسان

سأروي لك يا ولدي قبل النوم حكاية بطل اختار عزة الجوع على ذل الطعام.. فضّل سماع قرقعة أمعائه بكرامة.. على الانحناء أمام سجانه لأخذ "مجاش" الطعام من طاقة زنزانته.. فليس بالطعام يا ولدي يحيى الإنسان.. وليس بالماء ترتوي العروق الظمآنة.. فما فائدة الأكل إن لم يكن مغمسا من طبق النخوة..؟ وما جدوى الشراب إذا لم تكن تلك الرشفات قد شُربت من كأس البطولة..؟

أرادها المحتل قصة قصيرة كغيرها من القصص، رمادية من دون ألوان، صامتة من غير عنوان.. وهو أرادها بصبره وثباته رواية طويلة.. صاخبة تحمل كل معاني العنفوان...

بداية الحكاية: كان الشيخ الهمام متوسدا غطائه في ليلة كانونية باردة برفقة عائلته: زوجته وبناته الاثنتان.. معالي وبيسان.. وإذا بالزائر الثقيل يشوش على صوت مطرهم ويبدد صمت ليلهم ويسرق دفئهم... حامت الغربان فوقهم وطوقت الخفافيش بيتهم وقرعت الذئاب بابهم.. طمئن الشيخ عائلته وحاول إصلاح بالهم...

أخذوه من بين عائلته في جنين .. بعد أن أوسعه ضربا وافرغوا في جسمه النحيل حقدهم الدفين ومكرهم اللعين.. لم يسمحوا له برسم قبلات على جبين ابنتيه.. قال لهم من بعيد: وداعا إلى حين... أترككم في رعاية الرحيم...

انطلق مركبهم المحشو بالدنس إلى زنازينهم وأقبية تحقيقهم.. ظننا منهم أن سلاسلهم الثقال ستحني ظهور الأبطال.. هم ما دروا أن الشدائد للرجال تزيد معدنهم قساوة، كحال النار التي تجعل الطين فخّارا صلبا والعجين خبزا والذهب اصفرَ خالصا..

بدؤوا بأساليبهم المعهودة واخرجوا ما بجعبتهم.. شبحا وضربا... اهانات وعذابات.. تحقير وزجر..  

هل تعرف يا ولدي أن هذا الشيخ ذو اللحية الطويلة تعرض خلال التحقيق معه لنتفها والدوس على شعرتها ببساطيرهم؟.

وهل تعلم يا ولدي أن الشيخ خضر تعرض لأساليب عديدة من التحقيق والإيذاء الجسدي والنفسي ووصل المطاف بالمحققين إلى حد الاستهزاء بصلاته والسخرية من حركاته؟.

وهل تدري يا ولدي أن الشيخ الجليل قابلهم بالقرآن ترتيل.. وبالإيذاء شموخ وكبرياء.. مبتسما وصامتا.. محتسبا وصابرا.. محولقا ومسترجعا..؟ هذا هو حال المؤمنين يا بني.. إن حبسوا أجسادهم فأرواحهم تظل حرة طليقة.. إن كبّلوا أيديهم فلن يستطيعوا إطباق أعينهم.. فبدل الأكفِ يرفعون جفونهم يناجون بها الله ويدعونه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.. أليس من أسمائه اللطيف ومن صفاته المنتقم؟.. لا تحزن يا ولدي فللقصة تتمة وللحكاية بقية...

قال الشيخ في خلوته: يريدونها إذا معركة انتقام؟ حسنا .. قبلت التحدي .. سأقاوم اللئام بالطعام... والحِراب بالشراب.. دخل الشيخ في إضرابه يوما بعد يوم.. أسبوع في اثر أسبوع.. ليثبت لهم انه بجوعه أقوى.. وهم بجبروتهم اضعف..

هي كلمات بسيطة قالها الشيخ خضر وخطها شعارا لإضرابه: "كرامتي أغلى من الطعام وحريتي أثمن وجوعي حق لي"... ولكنها مع الوقت شقت طريقها في عتمة السجون وخارجها تردادا وتطبيقا حتى أضحت سيمفونية موسيقية ولازمة شعرية، وانتقلت عدوى الإضراب بين الأسرى.. وبدل أن ينجح المحتل في كسر إرادة أسير واحد سار العشرات منهم على خطى الشيخ خضر...

هل تعرف يا ولدي أن هذا الشيخ الذي يحمل شهادة الماجستير في الرياضيات لم يعد باستطاعته إحصاء عدد أيام إضرابه التي تجاوزت الخمسين يوما؟.

وهل تعلم يا بني أن أستاذ الرياضيات هذا لم يرد للمحتل أن يتركه أسيرا بين معادلات الأشهر الإدارية وتعقيداتها وتمديداتها اللامنتهية؟.

هو أراد حلال جذريا لهذه المعادلة التي تحولت مع الأيام إلى دائرة مفرغة لا خروج منها ولا مفر إلا بكسرها وتطويعها إلى خط أفقي نحو الحرية...

إنها خاتمة فصلا من فصول قصة الرجل الذي رفض الذل والهوان وقرر مقاومة بطش السجان.. انه الإنسان الشيخ خضر عدنان... وما زالت المعركة تُسطر بأحرف من كبرياء وكلمات من تصدي واسطر من تحدي.. إنها معركة أمعاء بالطعام خاوية ولكنها للعز حاوية...

 



عاجل

  • {{ n.title }}