تَصفيق أهبَل ليوم تاريخي بلا جغرافيا

في المَكان الذي أتَخَذَ العالم فيهِ قَرار لِتقسيمِ فلسطين، عَادَ وإستَغفَرَ لِذنبِهِ، وَمَنَحها يَوم تَاريخي بلا جُغرافيا، بِلا بَحر، بِلا نَهر، بِلا حُدود، بلا خريطة، وبالكثير الكثير من المستوطنات وبآلاف مِن الأبناء الغائبين في سجون الإحتلال.
ليت العالم كَفرَ بفلسطين.

أستغرب لهذا التصفيق الأهبل والهتافات الببغائية التي تردد فقط خيبتها، والأغاني التي توحي للسامع بأن فلسطين تحررت، وسائل الاعلام هولت تلك الفرحة المُزيفة، فمن خرجوا  يصفقون للدولة كانوا اقل من ثلث الذين خرجوا تصفيقا للمقاومة أيام حرب غزة، وأتحدى أن يكون هناك وجه مقارنة بين فرحة الإنتصار والثأرالحقيقي وبين هذا الإعلان.

هل يعلم العالم ماذا تعني 20% من دولة فلسطين، أو تلك التي تم الإعلان عنها؟
يعني أنه عندما أمشي من نابلس إلى رام الله وأعد فقط ما يقع عليه نظري من مستوطنات، أجد أن عددها أكثر من عدد القرى الفلسطينية (طبعا كل هذا داخل الضفة الغربية المسماه بدولة فلسطين).
هذه الدولة تعني أنني بأي وقت مُعرضة للاعتقال لان المنطقة التي أسكنها ضمن ما يُسمى بالمنطقة C التابعة لدولة الاحتلال ولن يفزع سيادة الرئيس من نومه ليدافع عني وعن حرمة وطنه  لأنه إعتاد على الترحيب بإنتهاك الأوطان، والشارع الذي وضعت عليه يافطة " مدينة نابلس تُرحب بكم" والمسمى بشارع فيصل هو شارع تابع لما يُسمى بالإدارة المدنية الإسرائيلية ويتوسط المدينة تقريبا، وأذكر مرة أن بلدية نابلس وضعت مطبات في هذا الشارع من أجل طلاب المدارس وأجبرها الإحتلال على إزالتها حتى لا تعيق سيرهم أثناء إقتحامهم لمدينة نابلس.
دولة فلسطين تعني  أنه من حق الجنود الصهاينة تفتيشي وأنا ذاهبة لعملي، وعرقلة طريقي عندما اتجه إلى المشفى لزيارة مريض، واحتجازي لساعات طويلة على حاجز طيار وبالتالي عدم وصولي إلى محاضراتي بالوقت المناسب.
دولة فلسطين هذه تعني أن الفلاح لن يصل لأرضه في نعلين وكفر قدوم  ليقطف الزيتون أو يزرعها، فالمستوطنين الصهاينة الذين يسكنون داخل "دولة فلسطين الجديدة" يحاولون قتله كلما إقترب من أرضه، وأحيانا يطلقون الخنازير المتحوشة عليه لتنجز المهمة عنهم.

كل ذلك داخل دولة فلسطين الجديدة، ألا تتقي الله فينا يا محمود عباس، فلم أسمع حتى في الأساطير القديمة عن دولة لن تستطيع الوصول إلى عاصمتها إلا بتصريح من دولة أخرى لأن "نصف عاصمتنا" أصبحت في دولة إسرائيل.

من ناحية أخرى، أستغرب أن حماس أيدت هذا الإعلان، فقد كتب عزت الرشق عضو المكتب السياسي لحركة حماس على صفحته الرسمية في الفيس بوك " إننا نرحب بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنح فلسطين صفة دولة مراقب، ونعتبر أن هذا مكسب لشعبنا، رغم أن فلسطين تستحق أكثر من ذلك"، برر ذلك بمنشور آخر قائلا فيه :" هذا التأييد جاء على قاعدة عدم التنازل عن أي شبر من أرضنا من البحر إلى النهر. وأي انجاز صغيرا أو كبيرا نرحب به مع تمسكنا بالثوابت الوطنية".

لا أدري لماذا هذا التأييد والدبلوماسية التي لن تزيدنا إلا خسارة وفي أسوأ الأحوال يكسبون من خلالها موقفا سياسيا لغاية في نفس يعقوب، فعندما تقرأ تفاصيل الإعلان تدرك أنه ليس من الإنجاز في شيء صناعة دولة على مقاس أوهامهم وعلى حساب طموحاتنا بالتحرر، وعندما تؤيد حماس هذه الخطوة ستكون هناك خيبة أمل أخرى لشعبنا، فلا يوجد شيء يبرر إعتراف العالم بفلسطين "منقوصة"، وهذا الاعلان ألغى حق المقاومة بالعمل عندما جاء فيه:
 "وإذ تعيد تأكيد مبدأ الميثاق في عدم جواز إكتساب الأرض عن طريق القوة".
 "وإذا تعيد تأكيد جميع القرارات ذات الصلة فيما يتعلق بتسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية".
هذا يعني أن سلام عباس هو ما سيعترف به العالم، ولن يعترف أساسا بحقنا المشروع بالمقاومة لأننا وافقنا وأيدنا "بنظرهم"، ومع أننا لن نكترث كثيرا بإعتراف العالم بحقنا الشرعي بالمقاومة التي تعلم كيف تنتزع حقوقنا المسلوبة بالقوة، إلا أننا إذا أردنا مستقبلا أن نقاوم العدو عندما يعتدي علينا يجب أن لا نطلب من العالم الشجب والإستنكار لأننا بنظره سنكون  مُعتدين على دولة إسرائيل المزعومة، لذلك وبإعتقادي يجب أن يكون تصريح حماس أكثر حزما بهذا الشأن، ونحن كشعب من حقنا أن ترفض قيادة المقاومة هذه المهزلة ،لأننا نؤمن بها لا بسلطة أوسلو التي رسمت خارطة فلسطين الجديدة على ذوقها حتى دون إجراء إستفتاء شعبي نزيه، وأخذت تطالب بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وهي التي قررت مصيرنا وحدها وبمعزل عنا.

لو أردت تنقيب الميثاق لوجدت فيه الكثير من الثغرات المُخجلة، ولكن سأكتفي بتنويه بسيط عن القدس والمفاوضات، فما لا يدركه الشعب المُصفِق أنه حتى هذه الدولة لن تُقام على أرض الواقع إلا بموافقة إسرائيل التي أبدت سخريتها المغلفة بالغضب، مع العلم أن الرد الحقيقي سيأتي بعد ثلاثة شهور من الأمين العام للأمم المتحدة، وخلال هذه الفترة وبعدها ستستمر السلطة بالمفاوضات، وحرفيا جاء في ورقة الإعلان "وإذ تعيد أيضا تأكيد قرارها 18\66 المؤرخ 30 تشرين ثاني 2011 وجميع القرارات ذات الصلة بشأن وضع القدس، واضعة في إعتبارها عدم إعتراف المجتمع الدولي بضم القدس الشرقية، والتأكيد على ضرورة إيجاد طريقة من خلال المفاوضات للتوصل إلى حل لوضع القدس كعاصمة للدولتين".
وهذا يعني أن المفاوضات ستستمر وكل الثوابت الفلسطينية سيتم المساومة عليها بنفس الطريقة، بمعنى آخر "عيش يا كديش لحتى تنبت دولة فلسطين".

إن لوحت السلطة بإيجابية هذا القرار "الوحيدة" وهي أن فلسطين أصبحت قادرة على رفع قضايا في المحاكم الدولية لمقاضاة إسرائيل، سيكون عليها أن تجيبنا إن كانت تكفي هذه الميزة أمام كل تلك التنازلات الكبيرة!!



عاجل

  • {{ n.title }}