انتقادات غير منصفة لصفقة الأسرى

 

مع كل ما مثلته صفقة الأسرى من معاني الانتصار والثبات وقوة الإرادة الفلسطينية، ومع كل ما كسا ملامح أعضاء حكومة الاحتلال وهم يعلنون أخبارها من تنكيس للرؤوس فيما يذكر بالآية الكريمة "كأنما أغشيت وجوههم قطع من الليل مظلماً".

ومع أن التيار الغالب في دولة الاحتلال يذهب إلى أن هذه الصفقة هي الأقسى في تاريخه وأنها انتصار ساحق للمقاومة الفلسطينية، مع كل هذه الصورة المشرقة إلا أن فريقاً من الناس قد تبرمجت نفوسهم على الهزيمة فهم لا يرون الأمور إلا بمنظار قاتم ويجتهدون ما وسعهم الاجتهاد في البحث في ثنايا كل انتصار عن هزيمة، وفي تحويل كل إنجاز إلى إخفاق، لأن طول أمد معايشتهم للهزيمة قد أصابهم بتشويش في الرؤية حتى لم يعودوا قادرين على اكتشاف أي فرصة للنجاح والانتصار..

لا نريد أن نكدر صفاء الصورة المشرقة بالحديث عن هذا الفريق، لكن ما يهمنا هو تفنيد الدعاوى غير المنصفة التي يروجونها للإساءة إلى هذه الصفقة المشرفة..

من هذه الدعاوى أن المقاومة لم تثبت على مطالبها وأنها تنازلت أمام الاحتلال ولم تخضعه لشروطها، وأن عدداً من قادة الأسرى الذين كان المفاوض الفلسطيني يطالب بهم لن يكونوا مشمولين في هذه الصفقة..

مثل هذا الاعتراض يدلل على طبيعة العقلية التي تحكم فريقاً من الفلسطينيين، فهي مع الأسف عقلية حدية غير مرنة فإما كل شيء وإما لا شيء، لا تؤمن بمنطقة رمادية فيها أخذ ورد، أصحاب هذه العقلية لا تجد في قاموسهم سوى عبارات من قبيل: شروط، رضوخ، تركيع، كسر إرادة، وهي عبارات لا تستقيم مع الأسس السليمة لأي عملية تفاوض..

صحيح أن المقاومة الفلسطينية رفعت سقفها في بداية أسر الجندي الإسرائيلي، ولكن رفع سقف المطالب في أي عملية تفاوضية يهدف إلى دفع الطرف الآخر لرفع سقف عروضه، وليس إلى تحقيق كل المطالب أو لا شيء، والعبرة هي بما تم تحقيقه فعلاً في نهاية المطاف، وإلا لماذا سميت المفاوضات بهذا الاسم إن كان المطلوب هو تحقيق كل شيء..

فإذا كان هناك أسرى لم يطلق سراحهم ففي المقابل هناك من أطلق سراحهم، وقد كان البديل عن التصلب هي أن تفشل الصفقة وألا يطلق سراح أي أسير..

لو كان الأمر بالتمني فإن أمنيتنا هي أن يطلق سراح كل الأسرى وأن تهدم السجون، ولكن الواقع شيء آخر..

مع الأسف أنه في مثل هذا الموضع تتغلب الاعتبارات الذاتية على الاعتبارات الموضوعية، فكل من له ابن أو أخ أو صديق في الأسر لم تشمله الصفقة ستكون له ملاحظاته وربما انتقاداته، وإذ نراعي مثل هذه الحساسيات إلا أنه كان معلوماً منذ البداية أن جندياً واحداً لا يكفي للإفراج عن كافة الأسرى، وإطلاق سراح كل أسير فلسطيني هو عرس وطني يستحق الفرح..

حين ننظر للصفقة بعيون أم أسير محرر بعد انتظار دام عشرين أو ثلاثين عاماً فإننا سندرك قيمة الإنجاز المتحقق..

أضف إلى ذلك أننا رأينا مثالاً رائعاً من الإيثار جسده قادة الأسرى مثل عبد الله البرغوثي وحسن سلامة الذين تشدد الاحتلال في رفض إطلاق سراحهم، حتى كادت الصفقة أن تفشل، فما كان منهم إلا أن طلبوا من المفاوضين أن ينجزوا الصفقة حتى بدونهم..

من الانتقادات الخبيثة قول البعض إن أسر شاليط قد كلفنا ألف شهيد ودماراً وحصاراً وتجويعاً، ومن يعيد هذه الأسطوانة المشروخة يلمز في قوله إلى أن مقابل كل أسير حررناه فإن هناك شهيداً فقدناه، ومثل هذا الانتقاد بالإضافة إلى كونه يتضمن لغةً انهزاميةً غريبةً عن ثقافة الشعب الفلسطيني الأصيلة التي تعلي من قيمة التضحية والصمود والفداء، إلا أنه لا يصمد أمام التدقيق العلمي أيضاً، لأن هذه الشبهة تفترض أن كل مصيبة أصابتنا منذ أسر شاليط حتى اليوم كانت بسبب أسرنا له، وكأن تاريخ معاناتنا لم يبدأ إلا في الخامس والعشرين من يونيو 2006، مع أن السنوات الست التي سبقت أسر شاليط قدمنا فيها أربعة آلاف شهيد، وحتى الحصار فإن السبب المعلن له لم يكن أسر الجندي، بل كان هو فوز حماس في الانتخابات، وبذلك فإن هذه اللغة الانهزامية لا تستند إلى قراءة موضوعية، ومن يقومون بالترويج لها فإنما يخدمون الدعاية الإسرائيلية التي تسعى إلى هزيمتنا وكسر إرادتنا..

هذه الاعتراضات مع ذكرنا لها إلا أنها والحمد لله لا تمثل الحالة العامة في الشارع الفلسطيني، فالغالبية محتفية بهذه الصفقة تنظر إليها بأنها إنجاز تاريخي للإرادة الفلسطينية..

مما زاد من جمال هذا الإنجاز هو حرص حركة حماس على تقديمه في ثوب وطني بعيد عن أي حزبية وهو ما لمسناه في خطاب خالد مشعل الوحدوي الذي لم يزده النجاح إلا تواضعاً وخفضاً للجناح، كما لمسناه في مبادرة هنية للاتصال بعباس ووضعه في صورة الصفقة.

في ظل هذه الأجواء الإيجابية فإن على الكل الفلسطيني أن يلتقط هذه اللحظة الرائعة لتعميق خيار الوحدة الوطنية الحقيقية وإعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح..

والحمد لله رب العالمين..  



عاجل

  • {{ n.title }}