الشيخ كمال أبو طعيمة.. روحه فاضت من الأرض تطلب عدالة السماء

أشرقت شمس اليوم الخامس من آب لعام 2011 دون أن تشرق معها العدالة التي تنشدها روح الشهيد الشيخ كمال أبو طعيمة الذي قتل تحت التعذيب في سجون "الأمن الوقائي" في مدينة الخليل في مثل هذا اليوم من عام 2009.

عامان كاملان انقضيا على روح الشهيد الذي لفظ أنفاسه الأخير في المدينة الطبية بالعاصمة الأردنية عمان، والتي نقل إليها للعلاج بعدما نالت منه سياط الجلادين في أقبية التحقيق التابعة لأجهزة أمن السلطة في الخليل.

صبره أغاظهم

بدأت فصول الحكاية في رحلة شهادة الشيخ كمال أبو طعيمة عندما باغته عناصر الأمن الوقائي دون مراعاة لحرمة شهر رمضان ولا لحرمة القضاء باقتحام محكمة الصلح في بلدة دورا جنوب الخليل بتاريخ 16/9/2008، وقاموا باختطافه بشكلٍ همجيٍ ونقل إلى "مسلخ" الأمن الوقائي في المدينة.

بدأت رحلة شهيدنا مع التعذيب والتحقيق في تلك الزنازين ليلقى ما لا يخطر على قلب بشرٍ من الأهوال.. كانوا في قمة الوحشية والإجرام وهم يتلذذون بتعذيب المجاهد أبو طعيمة، وكان صموده في التحقيق الذي اعتاد عليه من قبل في سجون الاحتلال ظاهرةً أقلقت مختطفيه.

ويوماً بعد يوم، أخذ التحدي يزداد وصارت عنجهيتهم في تصاعد، أما الشيخ كمال فكان رجلاً حراً يؤمن بالعدالة ويرفض الخضوع.

أحضر عناصر الوقائي طاقمين من المحققين من سجني جنيد في نابلس وسجن بيتونيا برام الله خصيصاً للتحقيق معه لكن عزيمته كانت أصلب من تلك القوة الورقية.

ومرت الأيام حتى أتم شهيدنا شهراً ونصف الشهر في أقبية التعذيب الوحشي والتحقيق الطويل دون جدوى في النيل من صمته، فكرروا رحلة التعذيب ضده من جديد بتاريخ 7/11/2008، وهنا كانت بداية ظهور أعراض التدهور الصحي حيث أصيب بأول جلطةٍ دماغيةٍ.

الفارس العنيد

وحسب مصادر مختلفة فإن الشهيد أبو طعيمة كان يضطلع بمهام نائب الأمير العام لحركة "حماس" في مخيم الفوار مسقط رأسه، كما كان منسقاً داخلياً لأبناء الحركة هناك.

وفي زنزانته كان رجال "حماس" من أبناء الخليل يستمعون جيداً لسياط التعذيب وهي تنهال على جسده، كان المحققون يتعبون من تعذيبه، ويصرخون بالهستيريا المعهودة عنهم.. ويوماً بعد يوم لم يعودوا يسألونه عن هياكل التنظيم ولا مصادر التمويل أو سلاح القسام، كانوا فقط يريدون أن يسمعوا صراخه، أما هو فكان يرد عليهم هازئاً ومعتزاً بانتمائه الأصيل فيقول:" نحن وقود لمرحلة قادمة، لا بد أن ندفع الفاتورة، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه دفعوها سابقاً ومن نحن حتى تنتصر دعوتنا دون أن نزهق لها الأرواح " .

وبما أن "حماس" أصبحت الكابوس الأكثر إزعاجاً لرجال الاحتلال في السلطة الفلسطينية، كان سجانو الشهيد أبو طعيمة من أبناء جلدته يحاولون إجباره على شتم حركة "حماس" ورئيس وزراءها الشرعي في غزة اسماعيل هنية للنيل من معنوياته، لكن رده كان أقوى بقوله:" حماس قطعة من جسدي فاقتلونا إن أردتم أن تقطعوها .. وشرف لي أن يكون إسماعيل هنية تاجاً فوق رأسي".

لله درك يا أبا سياف ما لنت لباطل يوماً، فمواقفه من داخل السجن لدى الوقائي كانت خير شاهد على صلابة الرجل الشهيد.

وحينما كان بعض المختطفين يطلبون منه أن يبتعد عن مناكفة المحققين وقادة سجن الظاهرية الذين ارتبطت أسماؤهم بأبشع عمليات التعذيب في سجون وقائي السلطة، كان يرد برباطة جأش المجاهد:" أنعط الدنية ونحن تحت السياط، والله إنهم أحقر من أن أستلطفهم فشرف لي أن أموت على يد أبناء فتح والوقائي".

تهمٌ وثباتٌ

لم يكن التحقيق مع الشيخ كمال أبو طعيمة يدور بأسلوب التحقيق الذي يتخيله كثيرٌ من الناس، بل كان المحقق ينتقل من سؤالٍ لآخر وشهيدنا معصوب العينين تحت السياط.

تركز التحقيق مع أبي سياف على انتمائه لحركة "حماس"، ودوره في تقوية بنائها التنظيمي بمخيم الفوار، وفترة إبعاد إلى مرج الزهور في لبنان مع قادة الحركة والجهاد الإسلامي، بالإضافة إلى إشرافه على دور القرآن الكريم في المخيم، وجمع التبرعات لصالح الأيتام والمحتاجين ودور القرآن، ودوره الاجتماعي في المخيم، حتى وصل الأمر خلال التحقيق بالسؤال عن سبب تسميته لابنته البكر " دجانة وابنه " سياف " وحفظهما للقرآن الكريم.

ولم يتوقف التحقيق القميء مع أبي سياف عند هذا الحد بل وصل للاستفسار عن علاقته ببعض النواب في المجلس التشريعي عن حركة "حماس" وعلاقته مع المكتب الإداري ومكتب الشورى لـ"حماس" في المحافظة.

ويذكر معتقلون رافقوا الشهيد أبو طعيمة في شهاداتهم لـ"أمامة" مواقف لبعض الشخصيات التي شاركت في تعذيبه موثقينها بالاسم الشخصي والمسمى الوظيفي مؤكدين أن بعض من شاركوا في التحقيق تعاملوا مع أبو طعيمة على أنه " عدوٌ شخصيٌ".

ويقول أحدهم أن أحد المحققين وهو من منطقة بيت لحم تفنن في تعذيب الشهيد  وراح يتجول بين شباب الحركة المعتقلين من أبناء مخيم الفوار وهو يقول:" اسطورتكم حطمناها".

كان الشهيد أبو طعيمة يردد اسمي اثنين من الذين عذبوه خلال فترة غيبوبته قبل استشهاده وهو يقول الدعاء" حسبي الله عليك يا.. ويا.." ويذمر اسميهما، حيث كان أحدهما يتعمد إهانة الشيخ من خلال الدوس على يده وتحريك قدمه بشكل وحشي.

ومن أبرز طرق التعذيب التي تعرض لها الشهيد بإشراف وتنفيذ أحد المحققين في الوقائي ، الشبح والضرب والفلقة والهروات السميكة و"الشاكوش"، وتم حبسه مدة 98 يوماً في العزل الإنفرادي.

رحل الشيخ أبو طعيمة لكن دماءه الطاهرة مازالت تلعن كل من شارك في قتله وتعذيبه، ومرور الزمن لا يلغي حقها في دم من قتلوه طال الزمن أم قصر.

 

 

 



عاجل

  • {{ n.title }}