السلطة تريد سلم النزول عن "شجرة أيلول"

يبدو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في أفضل حالاته جماهيرياً، فالحشود التي استقبلته في رام الله عائداً من الأمم المتحدة بعد إلقائه خطابه الشهير في الثالث والعشرين من أيلول المنصرم لم تجتمع منذ أعوامٍ كثيرةٍ في أيٍ من مناسبات حركة "فتح" التي يتزعمها.

غير أن نشوة النصر الإعلامي الذي تحقق بجهودٍ إعلاميةٍ أدارت حملة ترويجٍ ضخمةٍ وناجحةٍ للخطاب تبدو مؤقتةً جداً، إذ سرعان ما أفاقت رئاسة السلطة على استحقاقاتٍ وطنيةٍ وسياسيةٍ يبدو أن "خطاب نيويورك" قد صار وراءها بمسافات.

ففي أول لقاءٍ إعلاميٍ موسعٍ بعد أيلول أعلن رئيس السلطة محمود عباس لقناة "روسيا اليوم" الفضائية أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية لفترةٍ جديدةٍ في خطوةٍ تحضيريةٍ لمزاج الشارع الفلسطيني الذي انتهى من التصفيق لخطاب الرئيس وصار ينتظر الإجابة على سؤالٍ يقول:" ماذا بعد؟؟".

الخيارات معدومة

وفي ظل إصراره على استبعاد خيار المقاومة واستعادة الوحدة الوطنية على قاعدتها، تبدو خيارات رئيس السلطة غير مقنعةٍ للداخل الفلسطيني الذي ينتظر الخروج من حالة الجمود المستمر منذ أكثر من 18 عاماً على توقيع اتفاقية "أوسلو" التي يعزى لرئيس السلطة كثيرٌ من "الفضل" في إنجازها.

وعلى رأس الخيارات التي لوح عباس ومن خلفه حركة "فتح" باستخدامها خيار المقاومة السلمية الذي يبدو أكثر إثارةً للسخرية في أوساط الفلسطينيين من إثارته لاهتماماتهم.

في شوارع رام الله ونابلس والخليل يطلقون نكاتاً ساخرةً وأقوالاً تمس بهيبة أحد الشخصيات الكبيرة المقربة لعباس والذي تحدث عن استحداث "أسلحةٍ جديدةٍ" للمقاومة السلمية.

ويستحضر الفلسطينيون مقاطع من مسرحيةٍ كويتيةٍ اشتهرت نهاية ثمانينات القرن الماضي بعنوان "باي باي لندن" سخر الممثلون فيها من الأسلحة العربية التي أعدت لمواجهة عدوان "إسرائيل"، كالطائرات السريعة في الهرب والمدفع ذي الصوت الموسيقي الطروب.

محدودية الخيارات أمام رئيس السلطة دفعته للإعلان عن خيارٍ أغرب من "الأسلحة السلمية" وهو جاهزيته لوصف استخدام "الفيتو" الأمريكي بالقول "ساء الاستخدام"، عبارةٌ لا يجد الفلسطينيون أي معنىً لها في قاموس الضغط على الاحتلال وحليفته واشنطن.

وفيما خفتت الأضواء التي واكبت رحلة رئيس السلطة ووفده الذي غلب عليه الطابع الإعلامي لنيويورك، سطعت إضاءاتٌ لا تغيب عن الواقع المر الذي يحياه الفلسطينيون في كل جزءٍ من تفاصيل حياتهم اليومية.

فقضية الانقسام والمصالحة، وملف الاستيطان والمفاوضات كلها عطلت لأشهرٍ طويلةٍ بانتظار "خريف أيلول" الذي يبدو أنه حل جافاً كما في كل أشهر الفلسطينيين.

وحدها الأوضاع الميدانية استقبلت رئيس السلطة بحراكٍ ساخن، سخطٌ شعبيٌ من استمرار الاعتقالات السياسية، وتصعيدٌ متدحرجٌ في سجون الاحتلال، أما المستوطنون فأصبحوا "السلطة الثانية" التي تسبق سلطة رام الله في التحكم بالضفة الغربية، طبعاً بعد جيش الاحتلال.

الداخل متأزم

داخلياً، عاد رئيس السلطة من نيويورك ليجد الإنقسام ما زال يسود العلاقة الوطنية بين الفلسطينيين وتحقيق المصالحة صار مجرد وهمٍ يتوقع أكثر المتفائلين أن لا تزيد نسبة الأمل بتحوله إلى حقيقةٍ عن "صفرٍ كبير".

"حماس"، التنظيم القوي الذي يسيطر على قطاع غزة سألت عباس بوضوح عن ما يخطط له بعد "أيلول"، فلم تحصل بعد على أي جواب.

وفي واحدةٍ من المرات القلائل التي أجابت فيها الحركة على تساؤلاتٍ تحمل طابع المناكفات ردت "حماس" على اتهام حركة "فتح" لها بالجهل السياسي بالقول أنها تعي تماماً ماتطرح سياسياً وان قادتها يعون ما يقولون، في لمزٍ واضحٍ لانتهاء صلاحية البهرجة التي أحاطت خطاب عباس.

توضيح موقف "حماس" من قضية الدولة على الأراضي المحتلة عام 1967 وتأكيد عدم ارتباطه بأي تنازلٍ في ملفات القدس واللاجئين والاعتراف بالدولة الصهيونية أوقع السلطة في رام الله في حالة تخبطٍ سياسيٍ عكسته تصريحات عددٍ من قادتها من بينهم نبيل شعث وعزام الأحمد الذين نقلت صحيفة "الحياة" عنهما القول:" نحن سلطة وهمية وانهيارها أصبح واقعياً".

وسرعان ما تحول "اشتباك الفوضى" بعد أيلول عن ساحة "حماس" إلى ساحاتٍ جديدةٍ كانت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" طرفاً أساسياً فيها.

إحدى وكالات الإعلام المحلية المحسوبة على رئيس السلطة وحركة "فتح" وجهت في تقريرٍ لها اتهاماتٍ قاسيةً للجبهة قالت فيها إن عناصر الشعبية انخرطوا في صفوف "شبيحة" سوريا لقمع الاحتجاجات المناوئة لنظام بشار الأسد في دمشق.

الجبهة قرأت ما بين أسطر الاتهام الصادر عن الوكالة التي أدارت حملة الترويج لرحلة أيلول، وردت عليها بحزمٍ كافٍ، لكن أصحاب العيون المتابعة للأحداث في موقع "أجناد" الإخباري فكوا شيفرة هذا التراشق الإعلامي بعدما لفتوا النظر لغضب حركة "فتح" من موقف الجبهة الشعبية من "أيلول".

لم ينس موقع "أجناد" توضيح خلفيات الخلاف بالتذكير باتهام "فتح" لـ"الشعبية" بأنها اتخذت موقفاً أقرب لحركة "حماس" في موضوع أيلول.

الصهاينة جاهزون

أما على صعيد الدولة العبرية فاستقبلت رئيس السلطة بعد عودته من نيويورك بنفس اللسان الذي ودعته فيه.

" لا وقف للبناء الاستيطاني في القدس، التوصل لحلولٍ وسطٍ بشأنها وما فيها من مقدساتٍ وقضية اللاجئين لن يخدم الفلسطينيين"، هذا ما قاله سيلفان شالوم نائب رئيس الحكومة الصهيونية تعقيباً على خطاب رئيس السلطة محمود عباس.

صحيفة " بال تلغراف" البريطانية استبقت الأحداث حول ما ستؤول إليه شؤون العلاقة بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال بالتأكيد أن "صفقةً" عقدت بين الجانبين برعايةٍ أمريكيةٍ كاملةٍ يعود الطرفان فيها للمفاوضات وكأن "أيلول" شهرٌ حذف من أيام السنة.

رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي أخفق في خطابه الأممي في التصدي لخطاب رئيس السلطة وجد في ساحة الفعل ميدانه الأفضل لتسجيل انتصارٍ جديدٍ على الفلسطينيين بتأكيده أنه سيعيد رئيس سلطتهم للمفاوضات دون شروطٍ مسبقة.

في "تل أبيب" يبدو الصهاينة غير عابئين كثيراً بما قيل في نيويورك، وهم يعلنون أن ما يهمهم أكثر هو بقاء السلطة الفلسطينية بحالتها الأمنية الحالية من حيث التنسيق الأمني واستمرار ضرب المقاومة، طريقٌ تعهد رئيس السلطة بمواصلة السير عليه قائلاً أنه لن يسمح بأي انتفاضةٍ مسلحةٍ جديدةٍ.

الميدان يغلي

أما ميدان الضفة الغربية، وهو المعقل الاخير الذي تسيطر عليه حركة "فتح" فهو أيضاً يغلي كمرجلٍ ينتظر الانفجار.

المستوطنون الصهاينة وعلى طريقتهم الخاصة يثبتون أن أيام تشرين الثاني هي كأيام أيلول وآب، في كل يوم ينفذون اعتداءاتٍ باتت في غاية التنظيم والأذى بعدما غيبت إجراءات أمن السلطة وملاحقتها للمقاومة السلاح الفلسطيني الذي كان يردعهم.

في كل يومٍ يهاجم الفلسطينيون بلدةً جديدةً، يحرقون الأرض ويطلقون الرصاص على المنازل ويردمون آبار المياه ويسرقون ماشية المزارعين، ويتصاعد الغضب بين المواطنين.

على الصعيد الداخلي، يفكر كثيرٌ من الناس بالهجرة بعدما ضاقت بهم السبل، ويبدو أن التهديدات المتواصلة بقطع الرواتب، و"بروفات" تأخير صرفها من قبل حكومة فياض قد زادت من حدة الإحباط الذي لا يحتاج إلى أي جهدٍ لرؤيته يتجسد في شوارع جنين وطولكرم وبيت لحم.

شريحةٌ كبيرةٌ من الفلسطينيين باتت تشعر اليوم أن أربعة أعوامٍ من الانقسام قضت على مستقبلها وعلى حياة أبنائها دون أي أملٍ في الوصول لأي نهايةٍ لهذا الواقع المرير، تضم هذه الشريحة قرابة ثلاثة آلاف موظفٍ فصلوا من أعمالهم وأكثر منهم بكثيرٍ حرموا من التوظيف أصلاً بسبب "التشييك الأمني"، وهؤلاء جميعاً باتوا يرتقبون اللحظة المناسبة للتخلص من سلطةٍ أجهضت أحلامهم.

أهالي الأسرى السياسيين في الضفة الغربية ايضاً فقدوا القدرة على الأمل، وصار لسانهم يلهج بدعاء الله أن يريحهم عاجلاً غير آجلٍ ممن ظلم ابناءهم.

في سجون الاحتلال المشكلة أكثر تعقيداً، فأكثر من ستة آلاف أسيرٍ يعتبرون بقاء أبنائهم في السجون والمعتقلات الصهيونية فشلاً ذريعاً لمسيرةٍ عمرها 20 عاماً من المفاوضات التي قادها عباس دون تحقيق أي إنجاز.

المعتقلون استقبلوا عباس العائد من نيويورك بإضرابٍ عن الطعام يرفع ايضاً من حدة التوتر في الضفة الغربية.

سلم الهبوط

وإزاء كل ذلك تبدو السلطة في رام الله مدركةً تماماً لكل ما يجري حولها وهو ما يجعل الحسابات المنطقية تقول أن السلطة اليوم تبحث عن تنفيس حدة هذا الاحتقان وتخفيض سقف توقعات الفلسطينيين الذي صار مساوياً للأرض في أحسن الحالات.

تعي السلطة في الضفة الغربية أن تحالف الغضب والإحباط مع اليأس والرغبة في التغيير قد يجعلها تدفع ثمناً باهظاً، ثمناً حاولت تأجيل دفعه بملهاة أيلول التي أشبعت الناس جعجعته لكنها لم ترهم منه طحناً.

في المقاطعة برام الله يدرك محمود عباس تماماً أن سؤال ماذا بعد سيتحول إلى كابوسٍ، ويدرك أكثر أن الفلسطينيين الذين استقبلوه هاتفين في ساحة المقاطعة قد يحضرون في المرة المقبلة سائلين "ماذا بعد؟".

ويحاول رئيس السلطة اليوم تفادي التصادم مع هذا السؤال الذي لا يملك إجابة عليه بتأكيد استعداده للرحيل، تماماً كما قدم استقالته سابقاً، وكأنه يحاول توفير السلك للنزول عن شجرة أيلول التي صعدها دون أن يعرف كيف يعود.

 

 

 



عاجل

  • {{ n.title }}