خبير قانوني: قرار النيابة العامة بإغلاق "جي ميديا" عدوان على الدستور

قال الخبير القانوني عصام عابدين، إنه لا توجد حماية دستورية أقوى من الحماية التي منحها القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لوسائل الإعلام، حيث شدد على أن "تحظر الرقابة على وسائل الإعلام، ولا يجوز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغاؤها أو فرض قيود عليها إلا وفقاً للقانون وبموجب حكم قضائي". 

وهذا يعني بحسب عابدين، أنه لا بد من توفر شرطين دستوريين معاً، لإمكانية فرض أي قيد على وسائل الإعلام؛ الأول وجود نص قانوني، وهذا لا يكفي وحده على فرض وجوده، والثاني صدور حكم قضائي أي حكم فاصل في الدعوى إلى جانب النص القانوني الذي يفرض القيد على وسائل الإعلام، كما وينبغي للنص القانوني، وللحكم القضائي أيضاً، أن يحترما الاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وفي مقدمتها حرية الرأي والإعلام.

وأوضح: وجوب اجتماع الشرطين الدستوريين، في آن معاً، لإمكانية فرض أيّ قيد على وسائل الإعلام، واضح تماماً، في المادة (27) فقرة (3) سالفة الذكر من القانون الأساسي باستخدام عبارة (إلا وفقاً للقانون "و" بموجب حكم قضائي) أي بمعنى أنه لا يكفي وجود نص قانوني يقيد وسائل الإعلام، سواءً تحت عنوان الترخيص أو غيره،  وإنما يتوجب صدور حكم قانوني، إلى جانب النص القانوني، وذلك لإمكانية فرض أي قيد على وسائل الإعلام، وهذا ما حرص عليه المشرّع الدستوري باستخدام حرف العطف (و) وعدم استخدام (أو) في النص الدستوري للحيلولة دون فرض أي شكل من أشكال الرقابة على وسائل الإعلام من خلال نص في القانون فقط، ما لم يكن هناك حكم قضائي – أي حكم فاصل في الدعوى وليس أمرا قضائيا- إلى جانب النص القانوني.

وقال عابدين: وبذلك تتضح قوة الحماية الدستورية الممنوحة لوسائل الإعلام من خلال الحماية القضائية بالحكم الفاصل في الدعوى، ومن خلال تمكين وسائل الإعلام من حقها الكامل في ضمانات المحاكمة العادلة في مواجهة أية قيود يتم فرضها على وسائل الإعلام، وهي حقوق طبيعية ودستورية مكفولة بموجب القانون الأساسي (الدستور) واتفاقيات ومعايير حقوق الإنسان.

وأضاف: إن قرار إغلاق وكالة جي ميديا، عبر شكوى من وزارة الإعلام، وقرار من النيابة العامة، سواءً بذريعة الترخيص أو أية ذريعة أخرى تؤدي أي فرض أي قيد على وسائل الإعلام يشكل عدواناً سافراً على الدستور الذي لم يكتف في المادة (27) فقرة (3)  بحظر الرقابة على وسائل الإعلام وعدم جواز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغائها، وإنما ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير في الحماية الدستورية من خلال إضافة عبارة "أو فرض قيود عليها" وهي عبارة مفتوحة وتعني عدم جواز فرض أي قيد أياً كان شكله على وسائل الإعلام ما لم يكن هناك نص قانوني "و" حكم قضائي فاصل في الدعوى وتمكينها من حقها الكامل في الحماية القضائية وفي التمتع بكامل ضمانات المحاكمة العادلة.

وأكد، أن  انتهاك حرية وسائل الإعلام والحماية الدستورية يستوجب المساءلة والتعويض ولا تسقط بالتقادم. 

وأشار، إلى أن العدوان الذي تمارسه النيابة العامة وكونها أصبحت الأداة الأخطر على القانون الأساسي أخطر من العدوان على المبادئ والقيم الدستورية وحقوق الناس.

وأضاف عابدين قائلا: النيابة العامة فقدت شرعيتها الدستورية وفقدت التفويض الشعبي بعدوانها على الدستور والمشروعية، وهذا ما ينطبق على القضاء عندما يشارك النيابة العامة في انتهاك الحقوق الدستورية بأشكال عديدة منها نهج التوقيف وتمديد التوقيف واستخدامة كعقوبة على ممارسة المواطنين لحقوقهم المكفولة في الدستور، مقابل الصمت الممزوج بالتواطؤ أمام جرائم ممنهجة (جرائم دولية) تُمارسها السلطة التنفيذية وأجهزتها، على رؤوس الأشهاد، للنيل من حقوق وكرامة الناس. وبذلك، يشتد الطغيان، ويعم الفساد بمختلف أشكاله، ويتحكم الطغاة بحقوق ومصير العباد من خلال أدواتهم الباطشة في النيابة والقضاء.  

وأردف: لقد باتت أجهزة النيابة والقضاء، في فلسطين ودول المنطقة، أخطر تهديد يواجه المبادئ والقيم الدستورية وحقوق وكرامة الناس، وطموح الإصلاح والتغيير والتحول باتجاه دولة القانون، بعد أن فقدوا شرعيتهم الدستورية منذ زمن وما زالوا يعيشون على أوهام داخل مخيلتهم بأنهم مفوضون من قبل المجتمع بدعوى الحق العام وأن الأحكام الصادرة عنهم تصدر باسم الشعوب التي مارسوا عليها أبشع صور التنكيل.



عاجل

  • {{ n.title }}