جامعة ابو عاصف

إذا كان قدر الله أنك عشت مع أبي عاصف في السجون ، أو إلتقيته في اعتصام مع الأسرى أو في وقفة تضامنية مع المقطوعة رواتبهم ، ربما في استقبال أسير محرر ، في تشييع أو بيت حزن وعزاء ، في حفل زفاف وزواج أو عقد قران وخطبة ، في باحات الأقصى ، في لقاء صحفي حي او ظفرت عيناك بالتكحل في شوارع وبلدات ومدن ومخيمات الضفة ، فقد وجدت لغة ساحرة فلاحية شعبية بإمتياز ، تجذبك شخصيته ، الكوفية السمراء أو الحمراء تلف أعلاه تارة ، تلتف حول عنقه مسرورة في شتاء أو ربيع فتزداد بهاء فوق بهاء ، يتزنر بإبتسامة عريضة ، سلاحه قلب فتي لا يعرف الجبن ، يفيض بالحنان ، لسانه عسل مصفى ، لحية تنافس لحى الشباب في الجمال والإمتداد والتهذيب ، قامة كأنها شموخ الصنوبر ، صلابة ومتانة ذراع فولاذي ، وبسطة في العلم والجسم ، ثياب يتسربل تحتها أسد هصور ، وعيون صقر وفؤاد يخفق بنبض القرٱن وحب الاوطان .

أي جاذبية لذلك اللسان ؟ أي سحر يملكه فيمتلك عليك كل شيء ولا تملك إلا الخضوع والإنصات لهيبة الكلمات والفكرة وإبداع العرض السخي لما تنطلق به زفرات الغضب الوافرات.

إلتقيته في سجن عوفر في العام ٢٠٠٢ ، سيرته الذاتية سابقة ، شرحت بين يديه ملامح كراس النضالية العامة الناظمة لعلاقات الفصائل في السجن عكفت على إعدادها مع ٱخرين ، رأيت بين عينيه حكمة مختصرة (المستمع الجيد أفضل من المتحدث الجيد ) ، أها أها أها ، تعني الإعجاب والإستحسان ولا يزيد .

يروح ويجيء في باحات السجن ضاقت أو رحبت دون تعب ، يتحلق حوله العشاق ويطوفون ، إذا جلس ترى فيه وسع مرج بن عامر ، وإذا قام كان جبل الجرمق يماثله في تجذره وتدا وفي شموخه أسدا ، وبهاء الحمرة الشقراء تسبغ على جاذبيته جاذبية .

كم مرة زارته وسائل الإعلام فيخرج إليهم في ملابس تخضبت بالحناء تراب الأرض وتزينت قبضته بعروق الميرمية الخضراء ، كم مرة طاف التلال والسهول يخترق الأزقة على صهوة العاديات ضبحا ، يوزع التحايا مبتسمات في الإرجاء (السلام عليكم يا ابوي ) ، يا ابوي ، كلمة السر التي إطلع على فحواها كل الناس ، فقد كان الحقيقة والحقيقة كل الحقيقة للجماهير .

ما أسعدك يا خالة ام عاصف به ، حيا وراحلا مرتحلا ، وما أسعد الصبايا بحنون شغوف مثله ، وما أسعد ثماره عاصف وصالح وعاصم ومحمد بهذه العترة ، ويا كل الهناء لأم عناد بأخ ودعته مع السلامة يا حنون .

في يوم الوداع الزفاف الكبير ، أشفقت والحشود على الشيخ محمد أبو طير يناديك مؤبنا مجلجلا يا إبن أم ، لمن لمن تركتنا ، أيقنت أن الله يحبك ، فقد نثر أبو إسحاق الدكتور إبراهيم عليك الحب لجبل أحد يحبنا نحبه نحبك ، وما الحب الإ للحبيب الأول.

ألم تر العيون التي أصابها الرمد حبال المركبات تصطف مزروعة على مد البصر ، والحشود تؤم كوبر لتغني مواويل العاشقين في عشاءك الأخير حواريين ، كيف للاخضر أن يهدأ يرفرف يقول لمن ٱذاه مشهد راية (قل موتوا بغيظكم ) ، حتى الكاميرات الطائرة أصابها العجز عن إكتمال الصورة ، راحة أم عاصف تلوح بها مودعة هزت الإرجاء ، والزغاريد مكللة بالدموع تلتحم مع غزير المطر المنهمر رحمة ، (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا).

 



عاجل

  • {{ n.title }}