بيننا وبينكم يوم الجنائز"..

بيننا وبينكم يوم الجنائز"..

كثر الاستشكال على هذه المقولة المنسوبة للإمام أحمد رحمه الله..

ولكنني أقول حقًّا بيننا وبينكم الجنائز. ولكن جنائز من، وأيّ جنائز؟!

لم يكن أبو عاصف صاحب مال، ولا صاحب سلطة، ولا زعيمًا حزبيًّا تقليديًّا، ولا شيخًا معمّمًا، ولا مشهورًا في أيّ من سياقات الشهرة المألوفة، فكيف طارت القلوب، من مدن، ومخيمات، وقرى، الضفّة كلّها إلى قريته "كوبر"، كي تشهد جنازته فحسب، لا لكي تقول قد جئنا وكنّا من الحاضرين؟!

كانت السيارات على طول الطرق العابرة إلى "كوبر" صافّة، وسائرة، بلوغًا مسجد الشـهيد مجد البرغوثي رحمه الله تعالى.

هذه هي الجنائز الفارقة، جنائز الفرقان، الجنائز التي تستبين بها سبل الصالحين، وتمتاز تمامًا، مضيئة، بيّنة، حجتها منها وفيها، شاخصة، لا تحتاج دليلاً عليها .

أبو عاصف، عمر البرغوثي، رجل مجرّد من كلّ أسباب الجذب الماديّ، ورجل خالص من كل الدعاوى، رجل حاله مشرق في سمائنا، وسماؤنا لسانه.. سماؤنا المطرّزة بشـهدائنا الذي عرفوه، تنطق بما لم ينطق به..

رجل بلا سلطة، ولا مال، ولم يكن محترفًا للمنابر والكاميرات، ولا متمنطقًا بأحابيل السياسة، ولا مشتهرًا فيما يشتهر فيه الناس عادة، لولا رفقة 30 عامًا في السجون، تصفّح فيها آلاف الوجوه، ولولا افتخار الدنيا بدفتيّ قلبه عاصم وصالح، رجل هذا حاله، كانت هذه جنازته، فاصلة في لحظة حرجة.

جنازة فاصلة، لا بين البرامج والخيارات والتيارات والأحزاب والأفكار فحسب، ولكنها فاصلة في كل قلب حيّ، والقلب لا يكون حيًّا إلا بشيء من الحقّ يدبّ فيه، فيا أخي الذي تاهت عليه السبل فاحتار لنفسه، أو طلب المنزلة فأظلمت في عينيه الممكنات.. هذه هي المنزلة الرفيعة، لا يبلغها إلا من خلع حطام الدنيا على عتبة الربّ المتعالي..

هذه الجنازات التي تستفزّ الخير الكامن في القلوب المتعبة، الخير الذي لا ييأس منه إلا أهلك الناس، الخير المصفّى تحت غبار دنيويّ طارئ..

هذه الجنازات الشاخصة على بوابة الطريق الصحيح، تنادي من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد..



عاجل

  • {{ n.title }}