قطعنا النهر ولن نلتفت للوراء

ونحن نشارك في حوار القاهرة حاليا مع إخوتنا في حركة فتح وبقية الفصائل والشخصيات الوطنية ووفدنا متسلح بقرار وإرادة لا تعرف التردد من أجل إنجاز اتفاق شامل؛ فإنني ومن موقعي المتواضع في رئاسة حركة حماس ومن خلال الحديث المباشر مع جميع أبناء شعبنا أحببت تفصيل الموقف والرؤية التي نمضي بها في هذا الطريق الواعد نحو الوحدة والشراكة والمقاومة.

تضع حركة حماس هدفًا مركزيًا لنضالها المستمر ضد الاحتلال الصهيوني، بتحرير شعبنا من قيد المحتل وانتزاع حقه بتحرير كامل أرضه الفلسطينية، وتمكينه من تقرير مصيره والعيش بحرية وكرامة فوق أرضه المحررة، في دولته العتيدة وعاصمتها القدس وعودته إلى أرضه ووطنه وأن يبني نظامه السياسي على أسس العدالة والديمقراطية، ولما كانت الانتخابات واحدة من أشكال ممارسة الناس لحرية اختيار ممثليهم في الهيئات والمؤسسات والمناصب القيادية المختلفة، جعلت من الانتخابات والممارسة الديمقراطية واحدة من مبادئ العمل السياسي لحركة حماس، سواء داخل أروقتها أو في تفاعلها مع الحالة السياسية الفلسطينية، وقد تابع شعبنا الانتخابات الداخلية التي انتهت محطتها الأولى في غزة وكيف برهنت الحركة على الالتزام بدورية الانتخابات والمنافسة النزيهة واحترام إرادة أبنائها في اختيار المؤسسات الشورية والتنفيذية وكذلك فعلت في السجون وستواصل ذلك في الضفة والخارج.

ترى حركة حماس في تعزيز الوحدة الوطنية وطي صفحة الانقسام مدخلاً أساسياً لتعظيم القوة الذاتية الفلسطينية، ومدخلاً أساسياً لحشد قوى الأمتين العربية والإسلامية في مواجهة المشروع الصهيوني خصوصا في هذه الفترة التي ترغب فيها قوى إقليمية ودولية لأن تشرعن كيان الاحتلال ليكون دولة مهيمنة في المنطقة.

إن المرتكز الأساس الذي انطلقت منه حركة حماس في رغبتها بإجراء الانتخابات يقوم على تفعيل دور الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، في اختيار القيادة التي تمثله، ويرى أنها قادرة على تحقيق أهدافه وتطلعاته.

كما ترى الحركة أن مشاركة كل أبناء شعبنا في الداخل والشتات في العملية الانتخابية يعيد شعبنا الفلسطيني لمركز الفعل الوطني والنضالي.

وشاركت حماس منذ وقت مبكر في العملية الانتخابية النقابية والطلابية إيمانًا منها بمركزية فكرة الاختيار عبر صندوق الاقتراع، واتخذت مواقف إيجابية للانتخابات المختلفة التي دعت لها السلطة، وشاركت في الانتخابات البلدية عام 2005 وحققت نتائج كبيرة، وحصلت على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي عام 2006 في عرس ديمقراطي كبير، أكدت إيمان حماس العميق بالعملية الانتخابية، وقدرة شعبنا على ممارسة الديمقراطية في أبهى صورها.

لقد دعت حماس دوما إلى إجراء الانتخابات، واعتبرتها مدخلا مهما لطي صفحة الانقسام، ومع بدء الحديث عن الانتخابات مجددًا في أواخر عام 2019، قدمت حماس جملة من المواقف السياسية والإعلامية فتحت المجال أمام إمكان إجراء الانتخابات، وقد قدرت الفصائل والقوى والمؤسسات المجتمعية عاليًا مواقف الحركة الإيجابية الوطنية، ورغم أن الفصائل الفلسطينية قدمت مبادرة عرفت باسم مبادرة الفصائل الثمانية في أيلول/سبتمبر 2019 التي وافقت عليها حركة حماس، إلا أن العملية لم تبدأ لأسباب لست بصدد ذكرها، بالرغم من الحاجة الملحة لتوحيد الموقف الفلسطيني؛ حيث كانت الضغوطات الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية في أوج شراستها، ومع ذلك ظل موقف حماس من الانتخابات إيجابيًا، إلى أن تشكلت ظروف جديدة تقدمت الحركة كعادتها بخطوات واسعة وأبدت مرونة، فتحت آفاقًا واسعة لإطلاق العملية الانتخابية، وإصدار المراسيم الخاصة بالانتخابات، لتظل الأولوية هي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتوحيد جهود شعبنا في مجابهة التحديات المتعاظمة التي تواجه القضية الفلسطينية.

ومع انطلاق قطار الانتخابات أصرت حماس على أن يسبقه حوار وطني جاد ومسؤول، يضع خارطة طريق لإتمام العملية الانتخابية بمراحلها الثلاث (المجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني)، وتذليل العقبات التي يمكن أن تعترض هذا المسار الوطني، وليتحمل الجميع مسؤولياته التاريخية بضرورة إنجاز انتخابات وطنية تمكن المواطن الفلسطيني من ممارسة حقه الأصيل في اختيار ممثليه في الهيئات التمثيلية والقيادية المختلفة، وعدم السماح بحال بمصادرة إرادته أو القفز على خياراته أو معاكسة توجهاته الحرة، وطبقت حماس بمسؤولية وأمانة كل ما هو مطلوب منها من مخرجات الجولة الأولى من الحوارات، ونعبر كذلك عن ارتياحنا للروح الإيجابية التي يتحلى بها الأخوة في قيادة حركة فتح والتي تمثل المعصم الآخر الذي فتح الباب للوصول إلى هذه المرحلة، وحماس على جاهزية تامة لاستكمال هذه الحوارات وتطبيق ما يتم التوافق عليه وطنيًا للوصول إلى إتمام عرس ديمقراطي يستحقه شعبنا الفلسطيني.

تريد حماس لهذه الانتخابات أن تكون مدخلًا لترتيب كامل للبيت الفلسطيني، وإعادة بناء نظام سياسي فلسطيني يستجيب للتحديات التي تلاحق الحالة الفلسطينية باستمرار، ويستوعب كل القوى الحية في شعبنا في الداخل وفي الشتات على قاعدة الوحدة والشراكة والتكامل، وبالتالي إنهاء حالة الانقسام نهائيًا وتصليب المؤسسات الفلسطينية بشكل لا يسمح لأي خلاف سياسي لاحق أن يتطور أو يتعاظم، بل يكون نظامنا السياسي قادرًا وبشكل فعال على امتصاص الاختلافات والخلافات التي قد تطرأ، والتعامل مع المتغيرات التي تصيب الأوضاع السياسية على مستوى السلوك والمؤسسات، وأن يتناسب والحالة التحررية التي يخوضها شعبنا.

كما تهدف حركة حماس من هذه الانتخابات أن تشكل مدخلاً لتوحيد جهود الأمتين العربية والإسلامية تجاه قضية فلسطين، وتحييد مخاطر حالة الانكشاف الاستراتيجي الخطير الذي تعيشه المنطقة، وذلك بوقف حالة التطبيع والانزياح نحو الاحتلال الإسرائيلي على حساب حقوق شعبنا ومقدساتنا الإسلامية والمسيحية.

ولتحقيق جملة الأهداف الوطنية من هذه الانتخابات حددت حماس خيارها المفضل لشكل مشاركتها في الانتخابات التشريعية، وهو الدخول في قائمة وطنية موحدة تضم أوسع طيف سياسي وطني على قاعدة الحفاظ على الثوابت الوطنية، متمثلا ذلك بوثيقة الوفاق الوطني ومخرجات اجتماع الأمناء العامون ويصار بعدها لتشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع حتى تلك القوى التي لم تشارك في انتخابات المجلس التشريعي، لتدير هذه الحكومة باقي مراحل العملية الانتخابية، وتشرف على إزالة كل رواسب الانقسام، وتبني مسارًا لمصالحة داخلية حقيقية تشمل الجميع.

لا يمكن الحديث عن ترتيب وتصليب الحالة الفلسطينية دون أن يشمل ذلك كل مكونات شعبنا على امتداد تواجده وانتشاره في كل أماكن اللجوء والشتات، ولا يمكن القبول بأن يقتصر ذلك على شعبنا في داخل فلسطين فقط، فالشتات الفلسطيني هم جزء أصيل دفعوا ضريبة تهجيرهم من أرضهم لعشرات السنين، وهم يقعون في صلب قضية حق العودة المقدس، ويشكلون واحدة من أخطر جوانب الصراع مع الاحتلال، وبالتالي يأتي الموقف الواضح دائمًا من حركة حماس بأن الانتخابات يجب أن يأتي المجلس الوطني كبداية لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتجديد مؤسساتها على قاعدة الشراكة، لتضم جميع فصائل شعبنا كممثل لكل الشعب الفلسطيني، وتدير الصراع السياسي مع الاحتلال، وتحمل القضية إلى كل المحافل وتدير الصراع وفق هذا الاطار الوطني الجامع.

ومع استكمال عملية بناء النظام السياسي على مستوى السلطة والمنظمة عبر بوابة الانتخابات، ننتقل كفلسطينيين -فصائل وقوى ومؤسسات منتخبة وقوى مجتمعية- إلى المرحلة الأهم، والتي تشكل إحدى غايات العمليات الانتخابية المختلفة، وهي صياغة استراتيجية نضال شاملة وموحدة ومتكاملة لتحقيق غايات شعبنا بالتحرير والعودة، تستند هذه الاستراتيجية على مبدأ المقاومة بأشكالها المختلفة، وباستخدام كل أدوات الكفاح المتاحة لشعبنا، وفي القلب منها المقاومة العسكرية مع التركيز على المقاومة الشعبية في هذه المرحلة، وتوزع فيها المسؤوليات، وتراعى فيها قدرات كل جهة ومؤسسة وتخصصها وانتشارها في الساحات المختلفة، لتشكل في النهاية بوتقة تصهر كل طاقات شعبنا التي نثق بقدرتها الحقيقية على تحقيق أهداف شعبنا الفلسطيني وتطلعاته.

بناء على كل ذلك، ترى حماس في الانتخابات العامة بمراحلها المختلفة مسارًا وطنيًا جادًا، ومجالًا متاحًا لترتيب الأوضاع الفلسطينية بطريقة تشاركية حقيقية تكون فيها إرادة الشعب هي الناظمة، لذا سنعمل كما فعلنا في كل المراحل والمحطات على إتمام هذا المسار، وتقديم كل ما يلزم من الخطوات والمواقف، وسنرفض كل خطوة من شأنها ان تعطل هذا المسار أو تعرقله.

هناك نقاش لدى بعض النخبة السياسية عن مدى فعالية الانتخابات هل هي مدخل لإنهاء الانقسام والاتفاق أم هي نتيجة لذلك ؟ وكل رأي له وجاهته ولكن في حالة كهذه التي نعيشها ليس بالضرورة أن نأخذ بالموقف التقليدي خاصة وأننا جربنا منذ بداية الانقسام كل الخيارات والأساليب فلتكن اذا الانتخابات مدخلاً ووسيلة وبالتأكيد لغاية هي أبعد من الانتخابات نفسها.

إن مهمتنا اليوم لا تقتصر على كيف يسير هذا المسار، بل كيف ينجح هذا المسار ونحن نسير فيه بصدق والتزام في تنفيذ كل ما يتم الاتفاق عليه، نحن الآن قد قطعنا النهر ولا نلتفت إلى الوراء.



عاجل

  • {{ n.title }}