الانتخابات الفلسطينية والأجوبة الصعبة

يدور النقاش حول الانتخابات بين النخب الفلسطينية عن مدى جديتها وتأثيرها على الحياة السياسية الفلسطينية، ويسيطر الخوف على النخب بين نخب القوميين والليبراليين الذي يرون أن التوافق بين الفصائل يجب ان يسبق الانتخابات وذلك لتحصينها بمسار وطني فعلي على الأرض وألا تكون الانتخابات مرحلة صراع جديدة على اقتسام السلطة ومن يمتلك الشرعية، في الطرف الاخر تعيش نخب الإسلاميين تخوفا على المقاومة وبنيتها في غزة مستشهدين بتجارب تاريخية من ملاحقة المقاومة ومسار السلطة بالتزامها في الاتفاقيات الأمنية مع الاحتلال.

أصبح اتساع الهوة بين الجغرافيا وهنا نقصد "الضفة وغزة" غير قابل للانتهاء، فغزة أصبحت مشروع مقاومة بينما أصبحت الضفة وجغرافيتها تحت رحمة الاحتلال وتقودها حركة فتح، وقد ظهرت حالة العجز أمام مشاريع الضم والاستيطان، وعلى الرغم من الموقف السياسي الرافض لمشروع الضم، الا أن مشروع الضم استمر ولم يفشل وهو في سياق استراتيجية المشروع الصهيوني التاريخية الذي يبني الوقائع على الأرض أولا بانتظار اللحظة المناسبة للإعلان كواقع يجب التعامل معه.

قد يكون صحيحا ما تطرحه نخب الليبراليين والقوميين في مسار طبيعي، لأن مسار الديمقراطية وإن كان تنافسيا لكن تحكمه القناعات المسبقة للقادة السياسيين عن التفرد أو الشراكة والتمترس حول المشاريع، كما أن الاتفاق على الأولويات الوطنية متاحا بين الفصائل الفلسطينية كافة بعيدا عن ضغط اللحظة التي تشكلها الانتخابات، لكن التوافق الوطني المطلوب بقي حبيس الحسابات للأطراف الفلسطينية وهو ما جعل مسار المصالحة يراوح مكانه عند عقدة (الانتخابات أولا) أم (التوافق أولا)، و مع هذه المراوحة اتسعت الهوة بين المشاريع وانقسمت الجغرافيا، وأدخلت الكل في حالة عجز عن وقف تغول المشروع الصهيوني الاستيطاني في الضفة والقدس، فبينما مشروع المقاومة نجح في البقاء على قيد الحياة في ظل بيئة اجتماعية ضاغطة نتيجة الحصار المطبق والحروب وآثارها، دخل مشروع التسوية حالة الموت التام وأصبح واقع السلطة عبارة عن جهاز إداري يدير الشؤون المدنية للفلسطينيين ولا يستطيع التحرك في الشق الأمني دون التنسيق مع الاحتلال.

دأبت الحركة الصهيونية في استراتيجيتها منذ احتلال فلسطين على بناء الواقع أولا، وقد بدأ مشروعها الاستيطاني بعدد من المستوطنات في أراضي الـ 48، وتم زيادة اعداد المستوطنين اليهود، ثم تحول التجمعات اليهودية لمراكز سكانية تملك قوة مسلحة، وعندما جاءت لحظة الانسحاب البريطاني في العام 1948 كان المشروع الاستيطاني الصهيوني قد اكتمل ليرتكب جريمة العصر بالسيطرة على الأراضي المحتلة 1948 ما يعادل 78% من فلسطين التاريخية، وتشريد 950 ألف فلسطيني.

ينحي الكثيرين باللائمة على واقع التغول الصهيوني والسماح بفرضه للوقائع على الأرض في الضفة واستكمال المشروع الاستيطاني لسيطرته على قرابة 60% من الضفة الغربية على حركة (فتح) التي تقود مشروع السلطة ، والتي روجت لمسار التسوية وتلبية الشروط الإسرائيلية- الأمريكية بوقف المقاومة مقابل الأمل بمسار سياسي، وعلى الرغم من التحذير والاستدلال التاريخي والمنطقي وما يشاهده المواطن الفلسطيني بأم عينه من سيطرة المستوطنين على الأرض وزيادة اعدادهم ليصلوا لـ 800 ألف مستوطن وهذا الرقم يقترب من رقم المليون الذي اعلنه نتنياهو قبل 12 سنة لقلب الواقع الديموغرافي في الضفة وهو ما نجح فيه اليمين الإسرائيلي لكن نخبة السلطة السياسية ظلت مصرة على جدوى المشروع السياسي رافضة التحلل منه، وأصبح القبول بالأمر الواقع ناتج عن السلطة وثقلها والتزاماتها وطبيعة دخولها في حياة الفلسطينيين ، وهو ما دفع النخب الفلسطينية لمطالبة قيادة السلطة ببرنامج حقيقي للانفكاك عن الاحتلال، وقد ظل البروفيسور الراحل عبد الستار قاسم ينظر له، ويحمل البرنامج في طياته المزج بين المقاومة المدنية والاستفادة من القوة العسكرية للمقاومة في غزة كعمق استراتيجي حامي للفلسطينيين.

يحتاج هذا المشروع لروح التمرد وعدم وضع الحسابات الاقتصادية لعدة اعتبارات، فكما نجح اليمين الإسرائيلي في قلب الواقع الديموغرافي في الضفة، نجح أيضا في مشروع السلام الاقتصادي والسيطرة على المجتمع الفلسطيني عبر الاقتصاد، لقد أصبحت فئة العمال الذين يعملون في إسرائيل هي المحرك الأساسي للاقتصاد الفلسطيني وما يعنيه ذلك من زيادة الاستهلاك وزيادة عائدات الضرائب على خزينة السلطة، وبالتالي قدرة السلطة على الإجابة عن التزاماتها المالية تجاه الموظفين الحكوميين ورواتبهم.

لقد ضمن مخطط السلام الاقتصادي دفع الاقتصاد الفلسطيني للاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل كامل ، وضمن هذه المنهجية تم تقليص المساعدات للفلسطينيين، فأوقفت معظم الدول العربية مساعداتها المالية وأوقف الولايات المتحدة الأمريكية مساعداتها بينما تراجعت المساعدات الأوروبية لخزينة السلطة، وإن كان اعلان وزراء السلطة عن تقليص الاعتماد على المساعدات يدفع بنشوة الانتصار للساسة الفلسطينيين، لكن هذا التقليص تم تعويضه بزيادة الضرائب المبني على زيادة الاستهلاك والقوة الشرائية لفئة (العمال في إسرائيل) والذين تصل نسبتهم 100 ألف عامل يتقاضون ما مقداه 12.5 مليون دولار يوميا، وما مجموعه شهريا" 375 مليون دولار وما مجموعة سنويا ما يقرب 4 مليار و 500 مليون دولار أمريكي.

إن كسر حلقات سيطرة الاحتلال على المجتمع الفلسطيني اقتصاديا والسيطرة الأمنية لا بد ان تبدأ في الضفة الغربية، وهو ما يجعل هذا السؤال الملح يوضع على طاولة الأحزاب السياسية الفلسطينية كافة، ولا يكون مسألة ثانوية، كما ان تهدئة الصراع الداخلي الفلسطيني يقلل من الجهد العدائي المبذول بين فتح وحماس، فلا يعقل أن يتم فرض عقوبات اقتصادية على قطاع غزة من طرف حركة فتح، بينما لم تجد من يقف معها في وجه صفقة القرن سوى غزة ومقاومتها، ولو كانت غزة تبحث عن فك أزماتها لكان بمقدورها أن تفعل في ميدان المساومات.

أمام حالة الاستعصاء السياسي في العلاقات الداخلية الفلسطينية والعجز السياسي لمشروع فتح وحماس أمام الإجابة على التحدي الصهيوني وسيطرته وتقدمه على الأرض في الضفة وبناء مراكز سكانية ومعسكرات للجيش وبناء شبكات طرق كاملة للمستوطنين في الضفة الغربية، من المفترض أن الحركتين أصبح سؤال المشروع الوطني الفلسطيني هو الأكثر الحاحا لديهما، وكيفية إعادة توحيد قوة الفلسطينيين، فمشروع التسوية تم دفنه مع ضم القدس وإعلان صفقة القرن، وإعلان الإدارة الأمريكية الجديدة عن عدم التراجع عن قرارات الإدارة السابقة فيما يخص ضم القدس، بينما يملك مشروع المقاومة طاقة كامنة من مراكمة القوة العسكرية بعيدة عن ميدان المواجهة الفعلي في الضفة، وهذه الطاقة الكامنة، يمكن الاستناد لها في تحرك فلسطيني جديد يرفع شعار الانفكاك عن الاحتلال وإطلاق مقاومة "مدنية جادة" أو شعبية ترفع شعار التحرر من الاحتلال.

على الرغم من التخوفات التي تحملها نخب القوميين والليبراليين والإسلاميين تجاه مسار الانتخابات، لكن قد يكون مسار الانتخابات ضرورية كرسالة من قيادة الحركتين لقواعدهما أن مسار الشراكة السياسية يمكن ان تنجز، وقد يكون هذا المسار الذي أصبح يعيش على أجهزة التنفس الصناعي منذ سنوات يحتاج لصدمة كهربائية بحجم الانتخابات لتستطيع الإزاحة في حالة الاصطفاف النفسي الحاصلة لدى قواعد الحركتين.

بعدما تقدم: يبقى الاعتماد على قادة الفصائل الفلسطينية وخاصة حركتي حماس وفتح أن لا يكون مسار الانتخابات فرضه واقع تجديد الشرعيات الذي يطالب به الأوروبيين، وبالتالي تصدق تنبؤات النخب أن المسار لم يبنى على القناعات الجديدة المتشكلة وإنما الحاجة للجمهور الفلسطيني لتجديد الشرعيات فقط، وهو ما سيقود لمالات لا تحمد عقباها.



عاجل

  • {{ n.title }}