بين إطعام الجائع وبناء المساجد

تنتشر في الفترة الأخيرة موضة انتقاد بناء المساجد بحجة أن "إطعام الجائعين" أولى وأهم.

ونسأل هل المساجد التي تعيق إطعام الجائعين؟ ماذا عن اللصوص الذين يسرقون الأموال العامة؟ ما يسرقونه ويدمرونه من إمكانيات مادية تكفي لإشباع الجائعين وبناء المدارس والمساجد والمستشفيات.

هل نوقف بناء المساجد إلى الأبد؟ ما دام الفاسدون يسرقون اللقمة من فم الجائع فلن يتوقف الجوع وما نوفره من أموال المساجد سيذهب إلى جيب الفاسدين.

كما نسأل: هل المساجد ترف لا لزوم له؟ الله لا يحتاج منا لا الصلاة ولا المساجد لكن نحن من نحتاجها "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، للمساجد دور هام في التربية الإيمانية والأخلاقية والتوعية الاجتماعية والسياسية والفكرية وعلامة ثقافية هامة في أي بلد مسلم.

فإن كان كل ذلك ترف لا أهمية له فماذا سنقول عن الغناء والمسلسلات والأفلام والفيديوهات التي تنفق عليها أضعاف مضاعفة رغم أن الترفيه فيها أكبر بكثير من أي فائدة، وجزء منها يعين على الفساد والإفساد؟ وماذا نقول عن الرحلات الترفيهية والاستجمام والألعاب والمسابقات والرياضة؟

هل صحيح أن نحصر حياة الإنسان في الأكل والشراب والأمور المادية الملموسة؟ ماذا عن الترفيه؟ ماذا عن التربية الروحية والأخلاقية؟ ماذا عن التوعية والثقافة؟ هل نلغيها كلها ونعطي الأولوية فقط للطعام والشراب واللباس؟ ولماذا فقط المساجد تزعجكم؟

ماذا عن الأموال الطائلة التي تنفق في ما يضر ولا ينفع؟ على التدخين والخمور والمخدرات والمنكرات كبيرها وصغيرها، أليس أولى إنفاقها لإطعام الجائعين؟

البذخ والتبذير في بناء المساجد مذموم لكن ما هو معيار البذخ؟ انتقدوا مليون دولار لبناء مسجد واعتبروه بذخًا، هل يعرفون كم تبلغ تكلفة بناء المسجد في العادة؟ وعلى ماذا سينفق المبلغ؟ هل سيطلون الجدران بماء الذهب، مثلًا؟ بعد الاستضياح تبين أن جزء من المبلغ سينفق على مستوصف هو جزء من بناء المسجد، فهل المستوصفات ترف أيضًا؟ 

البذخ في بناء المساجد أمر نسبي وما هو عادي في زماننا هذا كان قبل مئات السنين ترف لا يحلمون به، مثل تركيب المكيفات أو تمديد الكهرباء أو فرشه بالسجاد.

أما من يقول أن غزة فيها "فائض" من المساجد فعلى أي أساس وصلوا لهذه النتيجة؟ هل أجروا دراسة؟ كم نسبة المساجد إلى عدد السكان؟ لو ذهبت إلى مسجد في منطقة سكنية وقت صلاة الظهر ستجده شبه فارغ ولو ذهبت إليه المغرب أو العشاء بعد أن يعود الناس من أعمالهم ستجد سطرين أو ثلاثة، ولو ذهبت إليه الجمعة ستجد الناس يصلون في الشارع لشدة الزحام.

وبعد ذلك ستجد نفس الأشخاص الذين انتقدوا بناء المساجد وقالوا لدينا فائض منها، ينتقدون أولئك الذين يصلون في الشارع ويغلقون الطريق ويقولون "لا تعطلوا مصالح الناس من أجل صلاتكم"! وكأن المصلي يعشق الصلاة في الشارع!

المساجد ضرورة روحية وأخلاقية واجتماعية ودينية وثقافية وكل هذه الأمور أولويات، والأولى أن ننتزع لقمة الجائع من فم اللص الذي يسرق قوته، ومن فم الفاسد المفسد الذي يجوع الناس ويحارب المساجد، ومن فم المبذر الذي يحرق أمواله في الحرام.



عاجل

  • {{ n.title }}