نقاش هادئ في موضوع الانتخابات الفلسطينية!

بداية انا اعترف ان المشاركة في النقاش في مثل هذا الموضوع ليس بالأمر السلس ولا السهل ولا الهين،وهو يحمل في ثناياه كثير من ردود الأفعال التي تتراوح بين الحادة والهادئة،وبين المصغية و المستهزئة،وبين المتقبلة والرافضة..وكل اجتهاد حول هذا الموضوع يدعي صاحبه، أنه صاحب الرأي الأصوب والأصلح ،وأنه يملك من الأدلة والبراهين المؤكدة لصحة ما ذهب إليه من اجتهاد..وانا شخصيا أتفهم كل ذلك ،ولا اقلل من وجاهة اجتهاد احد ،لأنه ببساطة ،الموضوع الذي نحن بصدد نقاشه يحتمل مثل كل هذه الاجتهادات..في موضوع الانتخابات الفلسطينية للمجلس التشريعي منذ ان شاركت فيه معظم القوى الفلسطينية في عام 2006 ،وما ترتب عليه من نتائج وآثار، لا زال-والى الآن- مثار جدل ونقاش حاد وعاصف بين مختلف مكونات الشعب الفلسطينية ،ولا زال السؤال مطروحا وبقوة في أوساط  كل  المكونات  الشعبية والنخب السياسية والثقافية والحزبية  الفلسطينية حول جدوى هذه الانتخابات في ظل الاحتلال،وهل هذه الانتخابات في ظل الاحتلال، وسيلة من وسائل النهوض بالحالة الفلسطينية، أم سبيل من سُبل تأزيم المشهد وزيادة الاحتقان فيه ؟!

بالرغم مما  يعتري نقاش هذا الموضوع ،من مثل هذه  الردود ،لا ينبغي للإنسان أن يكون سلبيا،أو انعزالية، وأن يسمح لنفسه ان يكون متفرجا فقط..بل ينبغي أن يكون له موقف واجتهاد ما..بشرط أن لا يعيب على الآخرين اجتهادهم،ولا يسفه خياراتهم وآراءهم..وعليه أن يطرح وجهة نظره داعما لها بالأدلة والحجة المتوفرة لديه..علّهُ بذلك  يساهم في إثراء النقاش حول هذا الموضوع ،وصولا الى الرأي الأصوب الذي يخدم هذا الشعب وقضيته!

منذ عام  2011، تاريخ اول اتفاق مصالحة،بعد الانقسام،والى الان ،والكل من الأحزاب والقوى الفلسطينية يقول ان الانتخابات هي بداية المخرج للحالة الفلسطينية التي خلفها الانقسام ، وانها السبيل لتجديد الشرعيات للمؤسسات الفلسطينية،وترتيب الحالة الفلسطينية على أسس ديمقراطية وعندما كان يتم تعطيل اجراء هذه الانتخابات ، يلجا كل طرف الى تحميل الطرف الاخر مسؤولية تعطيل هذا المسار،وبالأخص المكونين السياسيين الاساسين المكونان للمشهد السياسي الفلسطيني "فتح" و"حــمــ!س"..،وبغض النظر عن ماهية الطرف المعطل- فالحديث في هذا الموضوع يطول-فقد ظل هذا الامر يراوح مكانه بين شدٍّ وجذب ،وصولا الى الاطلالة التي شهدناها للشيخ "صالــح العـاروري" "وجبريل الرجوب"  على الفضائيات ،والروح التفاؤلية التي تحدثا بها عن افق المصالحة الفلسطينية ، مرورا بتفاهمات إسطنبول،و موافقة "حــمــ!س" على اجراء الانتخابات بالتتابع بدل التزامن،وصولا الى مراسيم الرئيس "عباس" حول مواعيد الانتخابات التشريعية والرئاسية واستكمال انتخابات الوطني على اعتبار ان انتخابات التشريعي تشكل المرحلة الأولى من انتخابات المجلس الوطني.

على اثر هذه المراسيم،وبعد أن  وافقت "حــمــ!س" على الدخول في الانتخابات ، وبعد قيام لجنة الانتخابات المركزية بدعوة  المواطنين الى التسجيل،وبعد أن أخذت معظم القوى وعلى وجه الخصوص حركة "فتح "بالتحضير لهذه الانتخابات سواء على صعيد الاجتماعات القيادية ،او الإجراءات الاستدراكية لقرارات سابقة بحق أبنائها في قطاع غزة،أو على صعيد وضعها الداخلي ..بعد كل ما حصل،ويحصل على الأرض استعدادا لموضوع الانتخابات، لفت انتباهي -ومن خلال متابعة   عشرات صفحات التواصل الاجتماعي- أن كثيرا من أبناء الحركة الإسلامية- وأخص هنا أبناء حــمـــ!س-  قد عادوا من جديد للنقاش  حول جدوى الانتخابات،فمنهم من يستهزئ بها،ومنهم من أعلن أنه لن ينتخب،ومنهم من يحرض الآخرين على عدم المشاركة فيها ،ومنهم من يقول: انني لست مستعدا  ان ُأعذب عند السلطة مرة أخرى بسبب مشاركتي بها، أو ان أسجن عند الاحتلال ،بسبب هذه الانتخابات،...الخ من ذكر سلبيات المشاركة في الانتخابات!

الى هؤلاء الاحبة الكرام من الاخوة..أوجه كلامي..وأتمنى أن يكون النقاش معهم هادئا لا عاصفا...إيجابيا لا سلبيا..نافعا لا ضارا ..جامعا لا مفرقا..بانيا لا هادما..فنقاشنا هنا  هو في قضايا اجتهادية،التي تحتمل الصواب والخطأ، لا في قطعيات الدين!

1-إن النقاش حول جدوى الانتخابات قبل أن تتخذ القيادة قرارها،هو من الأمور الواجبة على كل أبناء الحركة من أجل اسماع رأيهم إلى أهل الحل والعقد،وهو نقاش مشروع،ومجدي،ونافع،ومن حق هؤلاء الاخوة على قيادتهم ان تَسمع لهذا الآراء و أن توليها الاهتمام التي تستحق،وان تشكل معطى مهم من معطيات  اتخاذ القرار لديها ..ولكن بعد أن اتخذت القيادة  المنتخبة القرار بالمشاركة في الانتخابات،بعد ان استنفذت الشورى في مؤسساتها القيادية،فإن خطاب التشكيك في هذه الانتخابات ،والإعلان على الملأ بعدم المشاركة فيها ،والاستهزاء بها، وبمن اتخذ القرار بشأنها،يعتبر بلا شك إضعافا للصف الذي أنت جزءَ منه، و تشكيكا في أهلية القيادة في اتخاذ القرارات ،ومساهمة-بغير قصد- في تقوية خصوم الحركة،والانتصار عليها..ومخالفة لأدبيات فقه الدعوة،التي تربينا عليها،و التي اصلها علماء ربانيون، من قبيل،أنه لا يجوز الخروج على رأي قيادة منتخبة وتحتكم الى الشورى في مواقفها الاجتهادية .. والتي نعتقد أن قيادة حركة "حــمــ!س" ينطبق عليها  هذا التوصيف،فهي قيادة منتخبة، وتحتكم إلى مؤسساتها الشورية في قراراتها،والذي يريد الاستزادة في هكذا أمر ،فليراجع كتب الأستاذ " محمد أحمد الراشد" في كتابه التأصيلية الأربع"أصول الإفتاء والاجتهاد في فقه الدعوة ".

2- لقد حرصت قيادة الحركة،ومن خلال متابعة البيانات والمواقف التي كانت تصدّرها،على ان تكون الانتخابات هي تتويج لمسار المصالحة،لا ان تكون سابقة لها،وهذا هو الطريق الاصح والاصوب،وبذلت كل ما تستطيع من جهد  لتحقيق ذلك ،وكانت دائما تواجه بالرفض من قبل" فتح"، والتي كانت تصر على ان المصالحة يجب ان تتم على أرضية الانتخابات،وكانت تتهم "حــمــ!س" دائما بانها تعطل الانتخابات، وتريدها لمرة واحدة،لأنها كانت تتمسك بهذا المطلب ، ولولا ضغط "ترامب" وحشر السلطة في الزاوية، لما وافقت الأخيرة حتى على الانتخابات بصورتها الأخيرة، فالحركة لم تذهب الى هذه الانتخابات بالصورة الحالية الا مضطرة،لأنها تشكل اهون الاضرار ،واقلَّ السوء،ولا تنظر اليها كأحسن الخيارات وافضلها كما يتصور بعض الاخوة.

3-الانتخابات للمجلس التشريعي لها ميزة خاصة هذه المرة،فهي تمثل المرحلة الأولى من انتخابات المجلس الوطني،والذين  سيتم  انتخابهم ،سيمثلون الضفة والقطاع في هذا المجلس والذي ستدخله حــمــ!س والجــهــاد لأول مرة،  وأعضاء هذا المجلس  بعد استكمال تشكيله،هم من سينتخبون اللجنة التنفيذية،والمجلس المركزي،و اللذان سيقودان المشروع الوطني بأكمله في المرحلة القادمة.

4- صحيح أن تجربة المجلس التشريعي السابقة  كانت غاية في السوء نتيجة الظروف الموضوعية التي فرضت على هذا المجلس من قبل الصهـــاينـــة والأمريكان  والأوروبيين والسلطة الفلسطينية،والأنظمة الطاغوتية العربية ،لكنها في وجه من الوجوه أرسلت رسالة الى كل العالم بإن خيار المقــــاومـــة في الساحة الفلسطينية ليس خيارا معزولا،بل على العكس تماما هو الخيار الأكثر شعبية،كما أعطت "لحــمــ!س" شرعية شعبية أمام الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية والعالم أجمع ،وبعد أن حققت الشرعية النضالية بتجسيدها نموذجا مقــاومــا رائعا في انتفــاضــة الأقصى،حيث ساهمت مع قوى المقــاومــة الأخرى في دحر المحتـل عن قطاع غزة، فشرعية صناديق الانتخاب لا زال لها حضور قوي وكبير في الأوساط العالمية،حتى لو تنكر لنتائجها كثير من الأطراف !

5-في البعد المصلحي،وهو البعد المعياري الذي  اعتمده،ويعتمد كثير من الاخوة في رؤيتهم وتقييمهم لهذه الخطوة،وماذا ،خسرنا،وستخسر جراء خوضنا لهذه التجربة؟! الاخوة الكرام: الكل  يعلم ماهي طبيعة الوضع الكارثي الذي تعيشه القضية الفلسطينية،والتي لم يسبق له مثيل، ونحن لا يمكن أن نصل بفعل هذه الانتخابات إلى وضع أسوأ مما نحن فيه،لأننا ببساطة نعيش في وضع غاية في السوء على جميع الأصعدة ..وفي أسوأ الحالات، وإذا لم نحقق أي إنجاز إيجابي من وراء خوض هذه الخطوة، سنعود الى الوضعية التي نحن فيها الآن،ولا يوجد ما نخسره! فالانتخابات لن تتم على أساس من المقايضة،مثل تسليم سلاح المقــاومــة،أو التنازل عن بعض الثوابت السياسية مثل الاعتراف بدولة الكيــان،أو الاعتراف بشروط  الرباعية،او ما شابه،فلو كان الامر كذلك لكان الأمر مختلف،فهناك ما نخسره  .. الطموح والمأمول من وراء الانتخابات هو الخروج من الحالة المأساوية التي وصلتها الحالة الفلسطينية، سواء على صعيد الوضع في الضفة او الوضع في غزة على حد سواء،ففي الضفة،تهويد متسارع للأرض،وتسارع مجنون في الاستيطـان،وتعدِ صارخ على المقدسات،  وأد للمـقــاومــة من قبل السلطة ،وتدمير للحاضنة الشعبية لها،وهدم للثقافة الوطنية،وتغول للفاسدين ،ونهب مقدرات الشعب من قبلهم..،وفي غزة حصار مدقع وبشع ومتواصل لأكثر من 14 عاما ،بحجة الانقسام، طال كل جوانب حياة الناس،وهو يستهدف بالدرجة الأولى الحاضنة الشعبية للمــقـــاومـــة  حتى ينفض الناس من حولها،بعد تحمليها مسؤولية البؤس والجوع والحرمان الذي وصلوا اليه ..ان المستفيد الوحيد من هذه الحالة التي وصلنا إليها هو الاحتلال وأعوانه،وهي تمثل حالة استنزاف هائلة يومية للمشروع الوطني،والأهداف الوطنية،وللأرض الفلسطينية،والمقدسات الفلسطينية،و النسيج الاجتماعي الفلسطيني...فإن  لم نحقق المأمول والطموح الذي نسعى اليه، فلن نخسر أكثر مما نحن فيه من خسارة!

6-للأخوة الذين يتخوفون من أن يدفع المشاركون في الانتخابات، تنظيما وترشيحا ،ثمنا  كبيرا من قبيل الاعتقــال سواء عند السلطة،او عند الاحتلال كما حصل في المرة الأولى،دون أن يحققوا شيئا ،وهذا تخوف مشروع.. في هذا المقام ينبغي على القيادة أن تعمل كل ما باستطاعتها،على تقليل الأثمان التي قد تدفع جراء هذه العملية، الى الحد الأدنى،من خلال اجتراح أفكار إبداعية للدعاية الانتخابية، خصوصا ونحن في زمن وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة،وكذلك من خلال الحصول على تعهدات حقيقية من قبل السلطة بعدم المس بأي من المشاركين او المرشحين في العملية الانتخابية،سواء كان ذلك قبل الانتخابات،او اثنائها،أو بعدها،وان يكون هناك ضامنين إقليميين ودوليين لهذه التعهدات إذا تم نقضها،وان نمتلك الحركة من الوسائل الضاغطة على السلطة ،لإجبارها على الالتزام بهذه التعهدات في حال عدم قيام الضامنين الدوليين بذلك!

7- إن رسم صورة نهائية للمشهد الذي ستتم من خلاله الانتخابات،والتحالفات التي ستتم،والضوابط الانتخابية الناظمة للعملية الانتخابية،هو كلام غير دقيق،فالصورة الى الآن غير واضحة،وليست نهائية،و ستكون أوضح وأشمل بعد لقاء القاهرة الذي سيعقد  في بداية شهر القادم،فهذا اللقاء مهم للغاية ،وقد يبدد كثير من الهواجس التي تُقال  حول هذه العمليـة ،فينبغي التريث حتى تتجلى الصورة النهائية!

8- للإخوة الذين يتخوفون من أن تعطي هذه الانتخابات شرعية للمضي قدما في المفاوضات مع المحتل،وصولا الى توقيع اتفاقية سلام مجحفة مع المحتل،أقول لهم: اطمئنوا ، المشروع السياسي لأهل أوسلو انتهى وفشل،ولن تقوم له قائمة،لان الصـهـــاينـــة-ببساطة- لا يريدون ان يعطوا للفلسطينيين أي حق من حقوقهم، سقفهم السياسي حكم ذاتي للسكان لا للأرض،مع بعض المليارات المالية كرشوة لتمرير الحل،وهذا ما عبرت عنه بوضوح صفقة القرن، ..وهذا  الحل لا يمكن لأي فلسطيني ، مهما كانت خياراته السياسية، أن يقبل به على الاطلاق..الأفق الان هو للمقـــاومـــة،وليس للخيار السياسي..وحتى لو استمرت قيادة السلطة بطرح هذا الخيار على الطاولة فهو من قبيل إدارة الصراع،وذر الرماد في العيون،وهي تعي قبل غيرها أنها لن تحقق أي انجاز من وراء ذلك!

9-للأخوة الذين قرروا من الآن عدم المشاركة في الانتخابات ترشيحا وإدارةً،لا يضيرهم ولا يضرهم،  أن يسجلوا أسمائهم وأسماء ذويهم في السجل الانتخابي، قبل انتهاء مهلة التسجيل،فقد تأتي ظروف،وتبرز معطيات جديدة، تجعلهم  يغيرون  من رأيهم،و يشاركوا في الانتخابات تصويتا على الأقل،فلا ينبغي أن يغلقوا على أنفسهم هذا الباب!

ختاما اخواني أحاول ان اختصر المشهد الذي نحن بصدده، بصورة : رجل مصاب بمرضٍ عضال، يهدده بالموت في كل حين،ولا سبيل للوصول الى الطبيب المعالج لإنقاذ حياته الا  بالسير من خلال غابة كثيفة الشجر، مليئة بالأشواك والافاعي، ، ويسودها الضباب الكثيف الحاجب للرؤية ، كممرٍ وحيد واجباري للوصول الى الطبيب..وهو لا يملك خيارا إلا  أن يقتحم هذه الغابة إذا أراد الحياة ،فإما أن ينجح باجتياز الغابة،ويصل الى الطبيب المعالج،ويشفى على الأمد البعيد-بإذن الله-وبعد ان يدفع الثمن من جهد ومشقة وتعب وألم، سواء كان من ابر الشوك،او لسعات الأفاعي،او عتمة الطريق،او كلها جمعاء..وإما ان يفشل في اجتياز الغابة ويعود من حيث أتى، ينتظر قدره..وحسبه في ذلك أنه حاول ،وما بَذل  من مشقة  وجهد تستحقها المحاولة..لأن الهدف المرجو كان هو الشفاء من المرض القــاتــل ..النقيض للموت..ونحن نبغي الحياة ..ولا نريد الموت.. الا الموت الذي يهب لمن بعدنا .. الحياة الأفضل!

دمتم بخير وعافية ورضا من الله..و تقبلوا رأيي..مع الاحترام!



عاجل

  • {{ n.title }}