سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرابع من كانون الثاني/ يناير المراسيم الخاصة بالانتخابات العامة التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، وجاءت هذه المراسيم بعد موافقة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” على تتابع المراحل وتخلّيها عن مطالبتها بتزامنها.

يكتسب نقاش الانتخابات العامة الفلسطينية أهمية تستحق الدراسة، وذلك بسبب الظروف بالغة التعقيد التي تجري فيها، فقد عقدت آخر انتخابات عامة في عام 2006، ثم توقفت الحياة الدستورية بسبب الانقسام الجغرافي والسياسي المستمر، والذي عجزت كل جولات الحوار في إنهائه في ظل تشابك الظروف الداخلية والخارجية.

وفي ظل ما سبق تتعدد السيناريوهات التي يمكن توقعها لمصير الانتخابات، سواء من حيث إمكانية إجرائها وإكمال مراحلها أو من حيث طبيعة مشاركة القوى والفصائل الفلسطينية فيها.

السيناريو الأول: عدم إجراء الانتخابات

يذهب هذا السيناريو، الذي يميل إليه عدد كبير من المراقبين، إلى أن الانتخابات الفلسطينية لن تتم،  وستظهر موانع تمنع من إجرائها في ظل الظروف المعقدة التي تعيشها الساحة الفلسطينية، ومن العقبات المتوقعة الخوف من النتائج وحدوث انشقاقات داخلية، والممانعة الخارجية لدخول فصائل المقاومة للنظام السياسي، بالإضافة لإمكانية التوافق مع الإدارة الأمريكية الجديدة على عدم الحاجة لتجديد الشرعيات.

بناء على تجارب سابقة لن يعدم المسؤولون المبرر لوقف المسار، ومن هذه المبررات المتوقعة: عدم التوافق في اجتماعات القاهرة، دعوات قضائية مفتعلة  تبطل المراسيم الانتخابية، ويمكن التذرع بجتئحة كورونا، أو بمنع الاحتلال إجراءها في القدس، ولا يستبعد وقوع أحداث ميدانية موترة للأجواء.

السيناريو الثاني: الاكتفاء بالانتخابات التشريعية، أو التشريعية والرئاسية، وعدم إكمال باقي الخطوات.

حسب هذا السيناريو ستمتنع السلطة الفلسطينية عن استكمال بقية الاستحقاقات الانتخابية والاكتفاء بإجراء الانتخابات التشريعية، أو إجرائها والرئاسية، دون الوصول إلى إعادة تشكيل المجلس المجلس الوطني، ومن الدوافع المتوقعة لهذا السيناريو: وجود النية المسبقة للتوقف عن هذا المسار، بطرح الانتخابات الشاملة من أجل ضمان الانتخابات التشريعية، ثم استخدام انتخابات المجلس الوطني، وربما الرئاسة للمناورة.

ومن الدوافع كذلك حدوث خسارة مفاجئة لقوائم حركة فتح  بالإضافة لبروز مرشحين أقوياء لمواجهة الرئيس محمود عباس، ومن ذلك التخوف من عودة القيادي السابق في الحركة محمد دحلان للمشهد أو أحد قادة تياره للمنافسة، ويضاف أيضًا حدوث ضغوط خارجية لقطع الطريق أمام دخول حركتي حماس والجهاد الاسلامي إلى منظمة التحرير بدون تقديمهما تنازلات سياسية جوهرية.

السيناريو الثالث: انتخابات تنافسية بين الفصائل

حسب هذا السيناريو ستقوم الفصائل بعمل تحالفات انتخابية، أو الدخول بقوائم منفردة، وذلك يشمل حدوث منافسة محتدمة بين الفصيلين الكبيرين حماس وفتح، وطرح كافة القضايا على الطاولة.

مبررات هذا الخيار: رغبة حركة فتح في استغلال  تخوف الجمهور من التصويت لمنافستها حماس  واستغلال الدعاية السياسية والإعلامية ضد الطرف الآخر خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى عدم اقتناع جمهور الحركتين بالدخول في القوائم المشتركة، وكذلك وجود فيتو دولي يمنع التوافق الداخلي الفلسطيني ويريد للانتخابات سحب الشرعية من أحد الأطراف، ويمكن من خلال هذا السيناريو إيجاد تحالفات سياسية، سواء ضمن فصائل منظمة التحرير أو فصائل المقاومة.

ويواجه هذا السيناريو عدة تحديات منها: أن إجراء الانتخابات في ظل التحشيد الداخلي، واستغلال خطاب الانقسام ومشهدية الاقتتال بما يشحن الجبهة الداخلية سيؤدي للنفور العام منها.

من المتوقع كذلك، حدوث تضييق من الإدارات الحكومية على الفصيل المنافس لها، وما يصاحب ذلك من اتهامات متبادلة، ومن مخاطر هذا السيناريو عدم وجود ضمانات، سواء بقبول نتائج الانتخابات، أو إعطاء الفائز المساحة لتنفيذ برامجه خاصة في ظل التجربة الماضية القاسية مما يهدد بالعودة للمربع الأول من الانقسام والاقتتال والحصار.

 

السيناريو الرابع: انتخابات توافقية بين حماس وفتح، أو بين مجموع القوى الوطنية

حسب هذا الاحتمال، لا يُعد إجراء الانتخابات ممارسة ديمقراطية صرفة، بقدر الحاجة إلى تحقيق أهداف أخرى مثل إنهاء الانقسام وتجديد الشرعيات أمام الخارج، وكذلك مواجهة المخاطر السياسية العامّة التي تهدد الجميع.

يتمثل هذا الخيار في اتفاق الفصيلين الكبيرين حماس وفتح على تشكيل قائمة موحدة في الانتخابات التشريعية، أو اتفاق جميع الفصائل على تشكيل قائمة واحدة، ومن دوافع  هذا السيناريو: عدم توفر الأجواء الديمقراطية والحريات في ظل الواقع الفلسطيني، وبالتالي الحاجة المسبقة للتوافق قبل الانتخابات وذلك لتسهيل مهمة الحكومة المنبثقة عنها في إزالة آثار الانقسام، مع عدم الرغبة في تحويل المسار الانتخابي لمناسبة انقسام جديدة وبالتالي تأبيد الحالة الراهنة.

يساهم في دعم هذا الخيار التوافقات السياسية السابقة التي خفضت الفجوة بين البرامج السياسية والاتفاق على دولة على حدود 1967، بالإضافة  لبعض التوافقات الانتخابية في بعض المجالس البلدية في الضفة الغربية بعد آخر انتخابات عام 2016. وكذلك التخوفات المشتركة سواء من تيار القيادي دحلان أو معاقبة الجمهور للحركتين في حال التنافس المحتدم.

من التحديات لهذا السيناريومعارضته هذا الخيار لثقافة الديمقراطية المراد ترسيخها وبالتالي مصادرة حق الناس في المفاضلة بين البدائل،  وكلك تباين البرامج السياسية، الذي يحول دون تحالفات سياسية، مما يجعل القوائم المشتركة شكلية لأغراض التخفيف من حدة الانقسام قبل الانتخابات وأثناءها، وهو ما كان يستدعي اتفاقًا مسبقًا قبل الانتخابات، وهو ما لم يكن.

يهدد هذا السيناريو بوقوع انشقاقات داخلية وظهور تيارات ترفض التوافق، وفي هذا السياق وجود بدائل لجمهور الحركتين مما سينزع الثقة من التصويت للقائمة المشتركة. ويتطلب هذا الخيار: التوافق في ملف الرئاسة، وذلك صعب في ظل تمسك حركة فتح مسبقًا بالرئيس محمود عباس مرشحا وحيدًا، وكذلك الحاجة للاتفاق على رئيس المجلس التشريعي، والبرنامج السياسي.

   وختامًا، بسبب الظروف الخاصة للحالة الديمقراطية الفلسطينية وفي ظل الانقسام الفلسطيني الحاد، وفي ظل حالة عدم اليقين السائدة من الصعب الترجيح بين كل السيناريوهات، ففرص حدوث الانتخابات تتساوى مع فرص إلغائها. وفرص التوافق الانتخابي مهددة بالفشل في ظل الاختلاف أو الظروف الطارئة. وتبقى الأيام وأحداثها كفيلة بإيضاح النهاية لهذا المسار.

 

 



عاجل

  • {{ n.title }}