الانتخابات والمخاوف المشروعة

منذ أعلن رئيس السلطة محمود عباس عن مراسيم إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، وهنالك نقاش وجدل حول جدواها والمخاوف المختلفة من حصول تزوير أو عدم الاعتراف بنتائجها، وهذا ما دفع بالكثيرين إلى رفض الانتخابات والدعوة لمقاطعتها.

نتفق مع الكثير من هذه المخاوف والتحفظات إلا أننا نختلف مع المعارضين في طريقة معالجتها.

أهم المخاوف والاعتراضات:

1. لأننا شعب تحت الاحتلال فالانتخابات ليست أولوية بل المقـــاومـــة، أين الدولة التي سننتخب لها مجلسًا تشريعيًا ورئيسًا؟

2. سيتدخل الاحتلال في الانتخابات إما لعرقلتها أو منع أنصار المقــاومـــة من المشاركة الحرة أو ليطلب من الدول الكبرى عدم الاعتراف بنتائجها كما حصل عام 2006م.

3. ستسعى السلطة لتزوير الانتخابات وابتزاز الناس من أجل انتخاب حزبها.

4. أجرينا انتخابات في السابق ولم يعترف بها العالم والغرب فلماذا نعيد الكرة؟

5. سنعود إلى مربع الاقتتال والصراع بين حــمـــ!س و فتح كما حصل سابقًا.

6. الأولى أن نصرف تكاليف الانتخابات على الجائعين.

==========

بدايةً لنتفق على أن قيادة أي شعب يجب أن يختارها هو لا أن تفرض عليه، والأصل أخذ رأي الشعب قبل اتخاذ القرارات المصيرية، ولهذا كان مطلب حركة حــمـــ!س عرض اتفاقية أوسلو على استفتاء شعبي فلسطيني إلا أن الموقعين على الاتفاقية رفضوا.

ولنتفق أيضًا على أن اختيار قيادتنا عبر الانتخابات هو حق ننتزعه وليس منةً ننتظرها من السلطة أو أي جهة داخلية أو خارجية، والانتخابات ليست مناسبة اجتماعية نجامل من خلالها السلطة الحاكمة فنقاطعها لو غضبنا منها، بل هي حق حصري لنا كشعب والتفريط بها يعني التسليم بما يفرض علينا وغالبًا ستفرض علينا أمور لا نرضاها.

==========

كوننا شعبًا محتلًا نحارب من أجل التحــريـــر لا يعني أن انتخاب قيادة لنا هي رفاهية لا لزوم لها، لأننا رأينا كيف أن القيادة غير المنتخبة ورطتنا في أوسلو والتنسيق الأمني، لو كان هنالك محاسبة ومعاقبة من خلال صندوق الاقتراع لأمكننا تجنب الكثير من المصائب التي وقعنا فيها.

نعم السلطة الفلسطينية ليست دولة ولا سيادة لها، والأولوية هي للتحرير وليست إدارة مؤسسات حكومة وهمية، والأصل أن يتم انتخاب قيادة للمقــاومـــة الفلسطينية ولهذا كان المطلب تنظيم انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، إلا أنه نتيجة لعوامل كثيرة وتجاذبات السياسة تم الاتفاق على تنظيم الانتخابات بدايةً بالتشريعي وانتهاء بالمجلس الوطني، ليس الوضع المثالي لكنه قد يكون مدخلًا لما نريده: أي انتخاب قيادة لمقـــاومـــة الشعب الفلسطيني (إذا سارت الأمور على ما يرام).

==========

العقدة التي يخشاها الأغلب هي تزوير إرادة الشعب، إما بتلاعب السلطة في العملية الانتخابية، أو تدخل الاحتلال لمنع مشاركة بعض تنظيمات المقـــاومـــة، وغير ذلك من أساليب التزوير الناعمة والخشنة، ويتوقع أيضًا أن يمنع الاحتلال تنظيم الانتخابات من الأصل، كل هذه المخاوف في مكانها إلا أن المقاطعة ليست الحل لأنها تساعد الاحتلال والسلطة على هندسة النتيجة بالشكل الذي يريدونه دون أن يضطرهم للتزوير؛ أي انتخابات شرعية مثل التي أفرزت لنا محمود عباس رئيسًا للسلطة.

والحل بكل تأكيد ليس المشاركة في ظل التزوير ويجب التصدي له ووقف العملية الانتخابية برمتها في حال حصل تزوير أو تلاعب، لكن لا يجوز استباق الأحداث وإعلان المقاطعة والجلوس في البيت يوم الاقتراع بناءً على مخاوف، يجب أن نقـاتـل من أجل حقنا في الانتخاب الحر والمشروع، ويجب أن نستعد لمواجهة كل احتمالات التلاعب والغش، وفي كل الأحوال يجب أن نجهز أنفسنا لمواجهة أي نتيجة مزورة فمجرد الرفض الكلامي لنتائج الانتخابات ثم التعامل معها كأمر واقع هو فشل ذريع.

==========

العقدة الأخرى هي ما بعد الانتخابات، حيث أن تجربتنا السابقة أظهرت عدم اعتراف العالم بالنتيجة لأنها لم تأت على المقاس الصـــهيـــونـــي، وهنا يجب التأكيد أننا لا ننظم الانتخابات من أجل الحصول على شرعية من العالم الخارجي بل على شرعية شعبنا، وهذه الشرعية لها تاريخ انتهاء صلاحية ويجب تجديدها كل عدة سنوات، وشعبنا انتخب المقـــاومـــة قبل 15 عامًا وتأخرنا كثيرًا في تجديد الشرعية.

أما التعامل مع العالم الخارجي حيث أننا لا نستطيع تجاهل العقوبات والحصار والمقاطعة فهذه مشكلة يجب إيجاد حل لها، إلا أن التخلي عن الانتخابات والرضا بقيادة يفرضها الاحتلال والقوى الخارجية ليس حلًا، بل يجب أن نفرض قيادتنا المنتخبة على العالم أجمع.

==========

اقتراح تشكيل لائحة مشتركة من حــمـــ!س و فتح والفصائل الأخرى لخوض الانتخابات قد يكون حلًا للكثير من الإشكاليات، فهو يخفف من حالة الاحتقان والتنافس بين الحركتين التي أدت للانقسام كما أن التوحد يفرض على العالم الخارجي احترام وقبول نتائج الانتخابات، فالحصار الذي فرض عقب انتخابات عام 2006م لم يكن لينجح لولا الانقسام.

واللائحة المشتركة ليست انتهازية سياسية أو تقاسمًا للغنائم كما يصورها البعض، بل هي قيادة جماعية للشعب الفلسطيني تتخذ فيها القرارات بالتوافق وليس بالأغلبية، والحد الأدنى من الإجماع موجود وتم الاتفاق عليه مرارًا لكن لم ينفذ وهذا طبيعي في ظل غياب هيئات الرقابة المنتخبة.

طبعًا نجاح اللائحة المشتركة مرهون بوجود نية لدى كل الأطراف باتخاذ القرارات بالتوافق وتجاربنا السابقة سلبية لذا يجب بذل جهد استثنائي للوصول لهذه المرحلة، وبدون لائحة مشتركة نحن معرضون للبقاء في مربع الاستقطاب الحاد والانقسام.

==========

أما ما يثيره البعض لقضية تكلفة العملية الانتخابية فهذا نتيجة لأنهم يعتبرون الانتخابات ترفًا، ولا توجد لدينا إمكانية للترف حاليًا وإطعام الجائعين أولى، لكن الانتخابات ليست ترفًا والأصل توفير الأموال التي يهدرها الفساد والفاسدون لصالح بطون الجائعين وهي أكثر بكثير مما سينفق على الانتخابات، بل إن وجود نظام سياسي فيه رقابة برلمانية حقيقية سيتيح مكافحة الفساد.

==========

في الختام:

الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها ونجاحها غير مضمون والمشاركة فيها بأي ثمن ليس هدفنا، إلا أن اختيار الشعب الفلسطيني لقيادته هو ضرورة ملحة حتى لا يفرض الاحتلال علينا قيادة تخدمه وتحاربنا، فإن أراد الاحتلال عرقلتها فلنجعلها عنوانًا للمواجهة معه.

والانتخابات يمكن أن تساعدنا بإطلاق يد المقـــاومــــة من ناحية إتمام المصالحة الداخلية وإعادة ضبط البوصلة تجاه مواجهة الاحتلال، وأيضًا يمكن أن تؤدي إلى انتكاسة جديدة، ولذا يجب على قيادة المقـــاومـــة الفلسطينية أن تخطط منذ الآن لمواجهة أي محاولات لتزوير الانتخابات، أو عرقلتها، أو رفض نتائجها، هذه العراقيل بحاجة لإجابات وحلول جدية قائمة على المواجهة وليس الانسحاب الطوعي والانكفاء.



عاجل

  • {{ n.title }}